كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

وقد تبيَّنَ بهذا أن ما قلناهُ هو الحَقُّ، وقضى به الشيخانِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-، ولم يخالفْهما أحدٌ من أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وما قاله الشافِعِيُّ فغفلة من عالِمٍ، وقد أنكرَ أبو بكرِ بنُ المنذرِ على الشافعيِّ مقالَتهُ، قال: ولا نعلمُ أَحَداً قبلَ الشافعيِّ قالَ بالخمسِ في الفيء (¬1).
الضرب الثاني من الفيء: ما أخِذَ من الكُفّارِ من غيرِ حربٍ، كالجِزْيةِ وعُشورِ تِجاراتهم:
فقالَ الجُمهورُ: هو كالضَّرْبِ الأولِ (¬2).
وقالَ الشافعيُّ في الجديدِ: يُخَمَّسُ كالغنيمة.
وقالَ في القديم: يقسَمُ الجميعُ على خَمْسَةِ أَسْهُمٍ (¬3).
فإن قلتَ: فقد حكيتَ عن مجاهدٍ أن الغنيمةَ تختصُّ بالأموالِ المنقولةِ، وأن الفَيْءَ يختصُّ بالأَرَضين، وإن أُخِذَتْ قَسْراً؛ لأن الله سبحانَهُ ذكر الفَيْءَ في القُرى، وذكرَ الغنيمةَ مُطْلَقا، ووعدْتَ بالكلام معه (¬4).
قلت: لا حُجَّةَ له فيما ذَكَرَ، بلِ الحُجَّةُ في فِعْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثبتَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قسمَ خَيْبَرَ بينَ الغانِمين، ولم يجعلْها فيئًا (¬5)، وبهذا أخذَ الشافعيُّ (¬6).
¬__________
= "المنتقى" (1097)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 295).
(¬1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (12/ 69).
(¬2) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 400)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 297)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (8/ 2).
(¬3) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 442)، و"روضة الطالبين" للنووي (6/ 354).
(¬4) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 400).
(¬5) تقدم تخريج حديث قسم غنائم خيبر.
(¬6) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 406).

الصفحة 221