كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

ويمنع مِنْ إظهارِه، وله عشيرةٌ، فقد صاحَ أبو جَنْدَلٍ بأعلى صَوْتهِ، وهو يَرْسُفُ (¬1) في الحديدِ: يا معشرَ المسلمين! أُرَدُّ إلى المشركينَ يفتنوني عن دِيني؟! فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا جَنْدَلٍ اصبرْ واحتِسبْ؛ فإنَّ اللهَ جاعلٌ لكَ ولِمَنْ معكَ منَ المستضعفين فَرَجًا ومَخْرَجاً" (¬2)، وردَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أبا بصيرٍ، ولم يكنْ له عشيرةٌ تمنعهُ، وقتلَ أحدَ الرجلينِ اللذَيْنِ جاءا إليه، فقال: يا رسولَ الله! قد وَفَّيْتَ لَهُم، ونَجّاني اللهُ منهم، فأفهمَه أنه رادُّه إليهم مَرَّةً أخرى إِنْ جاؤوا في طَلَبه، والغالبُ على الظنِّ أنهم يقتلونه إن استَردُّوه وظَفِروه، فلحقَ بالساحلِ، وقصتهُ مشهورةٌ (¬3).
ويحتمل أن يقالَ: لا يجوزُ؛ لأن الله سبحانَه جعلَ لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ما لَمْ يكنْ لغيرِه، وجعلَ صُلْحَ الحُديبية لهُ فتحاً مبينًا، أو لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما فعلَ ذلكَ تَعْظيماً للمسجدِ الحرامِ؛ بدليلِ قوله - صلى الله عليه وسلم - لَمّا حَبَسَ القَصْواءَ حابِسُ اللَّيلِ: "والله لا يَسْأَلونَني خِطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أَجَبْتُهُمْ إليها" (¬4).
وبهذا قال مالك وأصحابُه، فلا يجوزُ عندَهم رَدُّ المسلمِ بحالٍ (¬5).
* ثم نَصَّ اللهُ سبحانَه على تحريمِهِنَّ على المشركينَ، وعلى تحريمِ المشركينَ عليهِنَّ، وهذا أَصرَحُ في التحريمِ من الذي في سورةِ البقرةِ.
¬__________
(¬1) رَسَفَ في القيد يرسُفُ ويرسِفُ رسَفًا ورسيفًا وسَفاناً: مشى مشْيَ المقيد. وقيل: هو المشي في القيد رويداً، فهو راسف. "لسان العرب" (مادة: رسف).
(¬2) رواه الإِمام أحمد في "المسند" (4/ 325)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 227)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (25/ 300 - 301)، عن المسور بن مخرمة.
(¬3) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 248)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (9/ 144).
(¬4) رواه البخاري (2581)، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، عن المسور بن مخرمة.
(¬5) ذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (18/ 63): أن هذا مذهب الكوفيين، أما مذهب الإِمام مالك فهو الجواز.

الصفحة 233