كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

ومستندُ القولَيْن أن النهيَ في الشيءِ الحلالِ هل يقتضي فَسادَ المنهيِّ عنه، أولاً؟ وفي ذلك خلافٌ بينَ أهلِ العلمِ بالنظرِ وشرائطِ الاستدلال.
* * *

254 - (2) قوله جَلَّ جَلالهٌ: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].
* أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالانتشارِ، والأمرُ إمّا محمولٌ على الإباحةِ، أو على الاستِحباب (¬1)؛ لما فيهِ من فَصْلِ النافلةِ عن الفريضةِ، وذلك مستحبٌّ (¬2)؛ لمِا روينا في "صحيح مسلم" عن السائبِ بن يزيدَ قال: صليتُ معَ معاوية الجمعةَ في المَقْصورة، فلما سلمتُ قمتُ، من مَقامي فصليتُ، فلمَّا دخلَ، أرسلَ إليَّ فقالَ: لا تَعُدْ لِما فعلتَ، إذا صَلَّيْتَ الجمعةَ، فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتَّى تتكلمَ أو تخرجَ؛ فإن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمرَنا بذلك أَلَّا نُوصِلَ صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلمَ أو نخرجَ (¬3).
ورويَ عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- في تطوُّعِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: وكانَ لا يصلِّي بعدَ الجمعةِ حتَّى ينصرفَ، فيصلي رَكْعتين في بيته (¬4).
وأمَّا حملُه على الوجوبِ فلا يجوزُ؛ لِما رُوي: أن النبيَّ -صَلَّى الله عليه وسلم - جلسَ بعدَ الجمعةِ لوفدٍ قدموا عليه (¬5).
¬__________
(¬1) انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 283)، و "المستصفى" للغزالي (ص: 61).
(¬2) انظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 109)، و "المجموع" للنووي (3/ 455).
(¬3) رواه مسلم (883)، كتاب: الجمعة، باب: الصَّلاة بعد الجمعة.
(¬4) رواه البُخاريّ (895)، كتاب: الجمعة، باب: الصَّلاة بعد الجمعة وقبلها، ومسلم (882)، كتاب: الجمعة، باب: الصَّلاة بعد الجمعة.
(¬5) انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (2/ 523).

الصفحة 253