كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

قال الشافعيِّ: ولم أعلمْ مُخالفاً أنها نزلت في خُطْبَةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (¬1).
فإن قلتَ: فقد روى البخاريُّ في "صحيحه" عن جابرِ بنِ عبد اللهِ -رضي الله تعالى عنهما- قالَ: بينما نحنُ نصلّي مع النَّبي -صَلَّى الله عليه وسلم -، إذ أقبلتْ عِيرٌ تحملُ طَعاماً، فالتفتوا إليها، حتَّى ما بقيَ معَ رسولِ الله -صَلَّى الله عليه وسلم - إلَّا اثنا عَشَرَ رجلًا، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} (¬2) [الجمعة: 11].
قلتُ: قولُ جابرٍ مُؤَوَّلٌ على أنَّه أرادَ بالصَّلاةِ الخُطْبَةَ، أو انقضاءَ الصلاةِ؛ بدليلِ قولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "فإن أَحَدَكُمْ في صَلاة ما دامَ يعمدُ إليها" (¬3)، وهذا هوَ اللائق بحالِ الصَّحابَةِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- فإنهم لا يقطعونَ الصّلاةَ بعدَ الدخولِ فيها.
وقال الفاسي (¬4): ذَكَرَ أبو داودَ في "مراسيلِه": أنَّ خطبةَ النبيّ -صَلَّى الله عليه وسلم - هذه التي انْفَضُّوا منها إنَّما كانَتْ بعدَ صلاةِ الجمعةِ، وظنوا أنهم لا شيءَ عليهم في الانْفِضاضِ عن الخطبةِ، وأنه قبلَ هذهِ القصَّةِ إنَّما كان يُصَلِّي قبلَ الخُطبة (¬5).
قال القاضي عِياضٌ: وهذا أشبهُ بحالِ الصّحابة -رضي اللهُ تَعالى عنهم- والمَظْنون بهمَ أنهم ما كانوا يدعونَ الصلاةَ مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولكنهم ظَنُّوا
¬__________
(¬1) انظر: "الأم" للإمام الشَّافعي (1/ 199).
(¬2) رواه البُخاريّ (894)، كتاب: الجمعة، باب: إذا نفر النَّاس عن الإمام في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام ومن بقي جائزة، عن جابر بن عبد الله.
(¬3) تقدم تخريجه.
(¬4) في "شرح مسلم" للنووي (6/ 151): "القاضي" بدل "الفاسي"، ولعلّه الصواب.
(¬5) انظر: "المراسيل" لأبي داود (62).

الصفحة 255