كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

روينا في "الصحيحين" عن عطاءٍ أَنَّه سمعَ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يقولُ: سَمِعْتُ عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- تقولُ: إن النَّبي -صَلَّى الله عليه وسلم - كانَ يمكُثُ عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ويشربُ عندَها عَسَلاً، فتواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنا دخلَ عليها النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، فَلْتَقُلْ: إنِّي أجدُ منكَ ريحَ مَغافيرَ، هلْ أكلتَ مغافيرَ؟ (¬1) فدخلَ على إحداهُما، فقالتْ له ذلكَ، فقالَ: "لا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَينبَ بنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أعودَ لَهُ"، فنزلَتْ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} (¬2) [التحريم: 1].
وفي بعضِ ألفاظ البُخاريّ: "ولكنِّي شربْتُ عَسَلاً عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ولَنْ أعودَ لَهُ، وقدْ حَلَفْتُ لا تُخْبري بِذلِكَ أحدًا" (¬3).
قال بعضُ أهلِ العلمِ بالحديثِ: والصحيحُ في نزولِ هذهِ الآية أَنَّها في قِصَّةِ العَسَلِ، لا في قِصَّةِ مارِيَةَ، فلمْ تأتِ قِصَّةُ ماريةَ -رضيَ اللهُ تُعالى عنها - من طريقٍ صَحيح (¬4).
الأمر الثَّاني: هل التحريمُ الذي فرضَ اللهُ سبحانَهُ تَحِلَّتَهُ يمين، أو ليسَ بيمينٍ، وإنَّما صدرَ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مطلَقُ التحريمِ؟
¬__________
(¬1) مغافير: واحدها مُغفُور -بالضم-، وله ريح كريهة منكرة، ويقال أيضاً: المغاثير.
"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 374).
(¬2) رواه البُخاريّ (4966)، كتاب: الطلاق، باب: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ومسلم (1474)، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق.
(¬3) رواه البُخاريّ (4628)، كتاب: التفسير، باب: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ...}، عن عائشة.
(¬4) نقله الإمام النووي عن القاضي عياض في "شرح مسلم" (10/ 77).

الصفحة 276