كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

الظاهرُ مِنَ القرآن أَنَّه لمْ يصدُرْ منَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يمينٌ، وإنَّما جَعَلَه اللهُ سبحانَه يَميناً؛ لما فيهِ منَ الامتناعِ والحَثِّ على التَّرْكِ.
روى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- أنهُ قالَ في الحَرام: يمينٌ يُكفِّرُها، لقدْ كانَ لكمْ في رسولِ اللهِ أُسوِةٌ حسنةٌ، يعني النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، كانَ حَرَّمَ جاريتَه، قال الله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 1 - 2] فَكَفَّرَ عن يمينهِ، وَصَيَّرَ الحَرام يميناً (¬1).
وروي عن عُمَرَ وعائِشَةَ أنهما قالا في الحَرامِ: يمينٌ يُكَفِّرُها (¬2).
وقال قومٌ: آلى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وَحرَّمَ (¬3).
قالَ قتادةُ: هو أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لحفصَةَ: "اسكُتي، فواللهِ لا أَقْرَبُها، وهيَ عَلَيَّ حَرامٌ (¬4).
وكذا قالَ زيدُ بنُ أسلمَ من أنَّ النَّبي -صَلَّى الله عليه وسلم - حَرَّمَ أُمَّ إبراهيمَ، قال: "أنتِ عَلَيَّ حَرامٌ، والله، لا أَمَسُّكِ" (¬5)، (فأنزلَ اللهُ في ذلك).
وقال مسروقٌ: آلى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وحَرَّمَ، فأنزلَ اللهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ
¬__________
(¬1) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 350)، بهذا السياق، والحديث في الصحيحين مختصراً.
(¬2) انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة (4/ 96)، و "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (5/ 487).
(¬3) رواه التِّرمذيُّ (1201)، وابن ماجه (2072) عن عائشة رضي الله عنها.
(¬4) رواه أبو داود في "المراسيل" (240)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 353).
(¬5) رواه ابن سعد في "الطبقات" (8/ 213).

الصفحة 277