كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 4)

"إذا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاثاً، فلم يُؤذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ" (¬1).
* وبينَ - صلى الله عليه وسلم - علَّةَ الاستئذانِ:
فروى البخاريُّ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قالَ: اطَّلَعَ رجلٌ من جُحْرٍ إلى حُجْرَة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومعَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِدْرًى (¬2) يحكُّ بهِ رأسَهُ، فقال: "لو أعلمُ أنكَ تنظرُ لَطَعَنْتُ بهِ في عَيْنِك، إنَّما جُعِلَ الاستِئْذانُ من أَجْلِ البَصَرِ" (¬3)، فكلُّ من يحرُم على الرجلِ أن ينظرَ إلى عورته يجبُ عليهِ الاستئذانُ، وإن كانَ أباهُ وأمَّهُ.
* واختلف السَّلَفُ هَلْ يُقَدَّمُ الاستئذانُ على السَّلامِ، أو يقدَّمُ السلامُ على الاستئذان؟
فقال قومٌ: يقدمُ الاستئذانُ؛ كما وردَ في القرآنِ (¬4)، والاستئناسُ هو الاستئذانُ، وكان ابنُ عباسِ -رضيَ الله تعالى عنهما - يقرأ: (حَتّى تستأذنوا) (¬5)، وأما ما رُوي عنه أنه قالَ: أخطأَ الكاتبُ، إنما هو
¬__________
(¬1) رواه البخاري (5891)، كتاب: الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثاً، ومسلم (2153)، كتاب: الآداب، باب: الاستئذان، عن أبي سعيد الخدري.
(¬2) مِدْرى: المِدراة: حديدة يسرح بها الشعر، وقد درت شعرها درى. "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري (1/ 421).
(¬3) رواه البخاري (5887)، كتاب: الاستئذان، باب: الاستئذان من أجل البصر، ومسلم (2156)، كتاب: الآداب، باب: تحريم النظر في بيت غيره.
(¬4) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (14/ 146)، و"المجموع" للنووي (4/ 511).
(¬5) قرأ بها ابن عباس، وابن مسعود، وأُبي، وسعيد بن جبير. انظر: "تفسير الطبري" (18/ 87)، و"الكشاف" للزمخشري (3/ 59)، و"المحتسب" لابن جني (2/ 107)، و"تفسير الرازي" (23/ 196)، و"تفسير القرطبي" (12/ 213)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (6/ 445). وانظر: "معجم القراءات القرآنية" (4/ 246).

الصفحة 67