كتاب التقاسيم والأنواع (اسم الجزء: 4)

فَقَالَ: "مَنْ مَرَّ بِكُمْ؟ " قَالُوا: مَرَّ بِنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم فَحَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا اشْتَدَّ حَصْرُهُمْ، وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَيْهِمْ، قِيلَ لَهُمُ: انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، فَاسْتَشَارُوا أَبَا لُبَابَةَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ الذَّبْحُ، فَقَالُوا: نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم إِلَى سَعْدٍ، فَحُمِلَ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ وَحَفَّ بِهِ قَوْمُهُ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، حُلَفَاؤُكَ وَمَوَالِيكَ وَأَهْلُ النِّكَايَةِ وَمَنْ قَدْ عَلِمْتَ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: قَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا يُبَالِيَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَلَمَّا طَلَعَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ"، قَالَ عُمَرُ: سَيِّدُنَا اللهُ، قَالَ: "أَنْزِلُوهُ"، فَأَنْزَلُوهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم: "احْكُمْ فِيهِمْ"، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيِّهِمْ، وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ،
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ"، ثُمَّ دَعَا اللهَ سَعْدٌ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ عَلَى نَبِيِّكَ صَلى الله عَلَيه وسَلم مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، وَإِنْ كُنْتَ قَطَعْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، فَانْفَجَرَ كَلْمُهُ، وَكَانَ قَدْ بَرَأَ مِنْهُ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُ إِلَاّ مِثْلَ الْحِمَّصِ، قَالَتْ: فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، وَرَجَعَ سَعْدٌ إِلَى بَيْتِهِ الَّذِي ضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، قَالَتْ: فَحَضَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قَالَتْ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَعْرِفُ بُكَاءَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بُكَاءِ عُمَرَ، وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللهُ: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: ٢٩]، قَالَ عَلْقَمَةُ: فَقُلْتُ: أَيْ أُمَّهْ، فَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم يَصْنَعُ؟ قَالَتْ: كَانَ عَيْنَاهُ لَا تَدْمَعُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَكِنَّهُ إِذَا وَجَبَ إِنَّمَا هُوَ آخِذٌ بِلِحْيَتِهِ. [٧٠٢٨]

الصفحة 248