كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر (اسم الجزء: 4)

(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «فرأيْتُ أكْثَر أهْلِها «1» النَّساء، لكُفْرِهِنَّ. قِيلَ: أيَكْفُرْن بِاللَّهِ؟
قَالَ: لَا، ولكنْ يَكْفُرْنَ الإحْسان، ويَكْفُرْن العَشير» أَيْ يَجْحَدْنَ إحْسان أزْواجِهنّ.
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «سِبَابُ المُسلمِ فُسُوقٌ وقِتَالُهُ كُفْر» .
(س) «ومَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ كَفَرَ» .
(س) «وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ فنعْمَةً كَفَرَها» .
وَأَحَادِيثُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ.
وأصْل الكُفْر: تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ تَغْطِيَةً تَسْتَهْلِكُهُ.
(س) وَفِي حَدِيثِ الرِّدّة «وكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرب» أصحابُ الرِّدَّةِ كَانُوا صِنْفَيْنِ:
صِنْف ارْتَدّوا عَنِ الدِّين، وَكَانُوا طائِفَتَين: إحْدَاهُما أَصْحَابُ مُسَيْلِمة والأسْوَد العَنْسِيّ الَّذِينَ آمَنُوا بِنُبُوَّتِهما، والأخْرَى طَائِفَةٌ ارتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَؤُلَاءِ اتفَّقَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتالهم وسَبْيِهِمْ، واسْتَوْلَدَ عليٌّ مِن سَبْيهِمْ أمَّ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّة، ثُمَّ لَمْ يَنْقَرِض عَصْرُ الصَّحَابةِ حَتَّى أجْمَعُوا عَلَى أنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْبَى.
والصِّنْف الثَّانِي مِنْ اهْل الرِّدَّةِ لَمْ يَرْتَدُّوا عَنِ الْإِيمَانِ وَلَكِنْ أنْكَرُوا فَرْض الزَّكَاةِ، وزَعَمُوا أَنَّ الخِطَاب فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً» خاصٌّ بِزَمن النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلِذَلِكَ اشْتَبه عَلَى عُمَر قِتالُهم؛ لإقْرارِهِم بالتَّوحيد وَالصَّلَاةِ. وثَبَت أَبُو بَكْرٍ عَلَى قتاَلِهم لِمَنْع الزَّكَاةِ فَتَابَعه الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَرِيِبي العَهْد بزمانٍ يَقَع فِيهِ التَّبْديل والنَّسْخ، فَلَمَّ يُقَرّوا عَلَى ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَهْلَ بَغْي، فَأُضِيفُوا إِلَى أهْل الرِّدَّةِ حيْث كَانُوا فِي زَمَانِهِمْ، فانْسَحَب عَلَيْهِمُ اسْمُها، فأمَّا مَا بَعْد ذَلِكَ، فَمن أنْكَرَ فَرْضيَّة أحَد أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ كَانَ كافِرا بالإجْماع.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تُكَفِّر أهْل قِبْلَتِك» أَيْ لاَ تَدْعهُم كُفَّارا، أَوْ لاَ تَجْعَلهم كُفَّاراً بِقَوْلِكَ وزَعْمك.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «ألاَ لاَ تَضْربوا المسْلمين فَتُذِلُّوهم، وَلَا تَمنعُوهُم حَقَّهم فتُكَفِّرُوهم» لِأَنَّهُمْ رُبَّما ارْتَدّوا إِذَا منعوا عن الحقّ.
__________
(1) أى النار.

الصفحة 187

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text