" صفحة رقم 242 "
ما يتملكه ويقتنيه الفقير والغني كما قال الشاعر :
ألا إن لا تكن إبل فمعزى
وقدّم الضأن على المعز لغلاء ثمنه وطيب لحمه وعظم الانتفاع بصوفه .
( نَبّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( أي ) إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( في نسبة ذلك التحريم إلى الله ، فأخبروني عن الله بعلم لا بافتراء ولا بتخرص وأنتم لا علم لكم بذلك إذ لم يأتكم بذلك وحي من الله تعالى ، فلا يمكن منكم تنبئة تذلك وفصل بهذه الجملة المعترضة بين المتعاطفين على سبيل التقريع لهم والتوبيخ حيث لم يستندوا في تحريمهم إلا إلى الكذب البحت والافتراء .
الأنعام : ( 144 ) ومن الإبل اثنين . . . . .
( وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الانثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الانثَيَيْنِ ( انتقل من توبيخهم في نفي علمهم بذلك إلى توبيخهم في نفي شهادتهم ذلك وقت توصية الله إياهم بذلك ، لأن مدرك الأشياء المعقول والمحسوس فإذا انتفيا فكيف يحكم بتحليل أو بتحريم ؟ وكيفية انتفاء الشهادة منهم واضحة وكيفية انتفاء العلم بالعقل إن ذلك مستند إلى الوحي وكانوا لا يصدّقون بالرسل ، ومع انتفاء هذين كانوا يقولون : إن الله حرم كذا افتراء عليه . قال الزمخشري : فتهكم بهم في قوله : ) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء ( على معنى أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل ؛ انتهى . وقدم الإبل على البقر لأنها أغلى ثمناً وأغنى نفعاً في الرحلة ، وحمل الأثقال عليها وأصبر على الجوع والعطش وأطوع وأكثر انقياداً في الإناخة والإثارة .
( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ( أي لا أحد ) أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ( فنسب إليه تحريم ما لم يحرمه الله تعالى ، فلم يقتصر على افتراء الكذب في حق نفسه وضلالها حتى قصد بذلك ضلال غيره فسنّ هذه السنة الشنعاء وغايته بها إضلال الناس فعليه وزرها ووزر من عمل بها .
( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( نفي هداية من وجد منه الظلم وكان من فيه الأظلمية أولى بأن لا يهديه وهذا عموم في الظاهر ، وقد تبين تخصيصه من ما يقتضيه الشرع .
الأنعام : ( 145 ) قل لا أجد . . . . .
( قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ ( لما ذكر أنهم حرموا ما حرموا افتراء على الله ، أمره تعالى أن يخبرهم بأن مدرك التحريم إنما هو بالوحي من الله تعالى وبشرعه لا بما تهوي الأنفس وما تختلقه على الله تعالى ، وجاء الترتيب هنا كالترتيب الذي في البقرة والمائدة وجاء هنا هذه المحرمات منكرة والدم موصوف بقوله : ) مَّسْفُوحًا ( والفسق موصوفاً بقوله : ) أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ( وفي تينك السورتين معرفاً لأن هذه السورة مكية فعلق بالتنكير ، وتانك السورتان مدنيتان فجاءت تلك الأسماء معارف بالعهد حوالة على ما سبق تنزيله في هذه السورة . وروي عن ابن عامر ) فِيمَا أُوحِىَ ( بفتح الهمزة والحاء جعله فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل و ) مُحَرَّمًا ( صفة لمحذوف تقديره مطعوماً ودل عليه قوله ) عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ( ويطعمه صفة لطاعم . وقرأ الباقر ) بطعمه ( بتشديد الطاء وكسر العين والأصل يطتعمه أبدلت تاؤه طاء وأدغمت فيها فاء الكلمة . وقرأت عائشة وأصحاب عبد الله ومحمد بن الحنفية تطعمه بفعل ماض وإلا أن يكون استثناء منقطع لأنه كون وما قبله عين ، ويجوز أن يكون نصبه بدلاً على لغة تميم ونصباً على الاستثناء على لغة الحجاز . وقرأ الابنان وحمزة إلا أن تكون بالتاء وابن كثير وحمزة ) يَكُونَ مَيْتَةً ( بالنصب واسم ) يَكُونَ ( مضمر يعود على قوله : ) مُحَرَّمًا ( وأنث لتأنيث الخبر . وقرأ ابن عامر ) مَيْتَةً ( بالرفع جعل كان تامة . وقرأ الباقون بالياء ونصب ) مَيْتَةً ( واسم كان ضمير مذكر يعود على ) مُحَرَّمًا ( أي ) إِلا أَن يَكُونَ ( المحرم ) مَيْتَةً ( وعلى قراءة ابن عامر وهي قراءة أبي جعفر فيما ذكر مكي يكون قوله : ) أَوْ وَمَا ( معطوفاً على موضع ) أَن يَكُونَ ( وعلى قراءة غيره ، يكون معطوفاً على قوله : ) مَيْتَةً ( ومعنى ) مَّسْفُوحًا ( مصبوباً سائلاً كالدم في العروق لا كالطحال والككبد ، وقد رخص في دم العروق بعد الذبح . وقيل لأبي مجلز : القدر تعلوها الحمرة من الدم . فقال : إنما حرم الله تعالى المسفوح وقالت : نحوه عائشة وعليه إجماع العلماء . وقيل : الدم حرام لأنه إذا زايل فقد سفح . والظاهر أن الضمير في ) فَإِنَّهُ ( عائد على ) لَحْمَ خِنزِيرٍ ( وزعم أبو