كتاب فتح الرحمن في تفسير القرآن (اسم الجزء: 4)

لا حاجة لي إليكم، حسبي الله ونعم الوكيل، وتعرض له جبريل وهو يقذف به في لجة الهواء إلى النار، وقال له: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله، فبلى، قال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فلم يستنصر بغير الله، ولا جنحت همته لما سوى الله، بل استسلم لحكم الله مكتفيًا بتدبير الله -عز وجل- عن تدبير نفسه، وكان يومئذ ابن ست عشرة سنة، ولما وقع في النار، لم يحترق سوى وثاقه"، فذلك قوله تعالى: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (¬1) أي: ابردي ليسلم، فذهبت حرارتها وإحراقها، وبقيت إضاءتها وإشراقها.
قال ابن عباس: "لو لم يقل: بردًا وسلامًا، [لمات إبراهيم من بردها، ولو لم يقل: على إبراهيم، لبقيت بردًا وسلامًا] (¬2) أبدًا" (¬3).
وروي أنه لم يبق في ذلك الوقت نار بمشارق الأرض ومغاربها إلا خمدت، ظانة أنها المعنية بالخطاب، قال كعب الأحبار: "جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ؛ فإنه كان ينفخ في النار" فلذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتلها، وسماها فويسقًا (¬4).
وعن علي رضي الله عنه: "أن البغال كانت تتناسل، وكانت أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم، فدعا عليها، فقطع الله نسلها، ولما
¬__________
(¬1) انظر: "تفسير البغوي" (3/ 166 - 167)، و"تفسير القرطبي" (11/ 303)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (8/ 175)، و"روح المعاني" للآلوسي (12/ 425).
(¬2) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(¬3) انظر: "تفسير البغوي" (3/ 167).
(¬4) انظر: "تفسير البغوي" (3/ 167)، و"تفسير القرطبي" (11/ 304).

الصفحة 371