كتاب مطالع الأنوار على صحاح الآثار (اسم الجزء: 4)

ضيعها مع عظمها في الدين ومكانها في الشرع كان لما دونها من الأعمال أشد تضييعًا. وقيل: من ضيعها مع شهرتها دل علي أنه لما يخفي من عمله أشد تضييعًا. واللغة المشهورة أن يُفَاضَل - في مثل هذا - بـ (أشد) أو (أكثر) ونحوه، لكن حكى السيرافي وغيره عن سيبويه إجازة ذلك، وهذا الحديث حجة في ذلك حتي لا شيء أصح منه نقلاً، ولا حجة أفلح في اللغة من قول عمر - رضي الله عنه -، وقد قال ذو الرمة:
بأضيع من عينيك للدمع (¬1)
قوله: "وإِضَاعَةَ المَالِ" (¬2) قيل: هو إنفاقه فيما حرم الله وفي الباطل والسرف. وقيل: ترك القيام عليه وإهماله. وقيل: المراد بالمال هاهنا الحيوان كله، لا يضيعون فيهلكون. وقيل: هو دفع مال السفيه إليه.
قوله - صلى الله عليه وسلم -: " (وَمَنْ تَرَكَ) (¬3) ضَيَاعًا" (¬4) بفتح الضاد هم العيال، سموا باسم الفعل، ضاع الشيء ضياعًا، أي: من ترك عيالًا عالة وأطفالًا يضيعون بعده، وأما بكسر الضاد فجمع ضائع، والرواية عندنا بالفتح، وقد روي: "مَنْ تَرَكَ ضَيْعَةً" (¬5) أي: ذوي ضيعة، أي: قد تُركوا وضُيعوا، وهو أيضًا مصدر ضاع العيال ضيعة وضياعًا، وأضعتهم: تركتهم.
¬__________
(¬1) هو صدر بيت له، بقيته: كُلَّمَا، وعجزه:
توَهَّمْتَ رَبعًا أوْ تذَكَّرْتَ منزلا
انظر "الأمالي" لأبي عي القالي 1/ 208، و"تحرير التحبير" لابن أبي الأصبع ص 239.
(¬2) البخاري (1477، 2408، 5975، 6473، 7292)، ومسلم (593) من حديث المغيرة بن شعبة. و "الموطأ" 2/ 990، مسلم (1517) من حديث أبي هريرة.
(¬3) من (م).
(¬4) البخاري (2399، 6745) من حديث أبي هريرة. ومسلم (867) من حديث جابر.
(¬5) مسلم (1617/ 16) من حديث أبي هريرة بلفظ: "فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً".

الصفحة 358