كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 4)

وخلا الوفد بعضهم إلى بعض فقالوا: والله خطيبُهم أبلغُ من خطيبنا، وشاعرهم أَشعرُ من شاعِرنا وهم أَحْلَمُ منّا، وأنزل الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)} [الحجرات: 4] وردَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسرى والسبي وأجازهم فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الأهتم في رِحالهم وظَهْرِهم ومن أحدثهم سِنًّا، وقيس بن عاصم يبغضه فقال: يا رسول الله إنه قد تخلَّفَ غلام منا في رحالِنا وهو حَدَثٌ لا شرَف له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وإن كان فإنَّه وافدٌ وله حقٌّ". فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما أعطى واحدًا من القوم، وبلغ عمرًا فقال يهجو قيس بن عاصم: [من البسيط]
ظَلِلْتَ تغتابُني سِرًّا وتشتُمني ... عند الرسول فلم تصدقْ ولم تُصِبِ
سُدْناكمُ سُودَدًا رَهْوًا (¬1) وسؤدَدُكُم ... بادٍ نواجذهُ مُقْعٍ على الذَّنَبِ
إن تُبغضونا فإن الرومَ أصلُكُمُ ... والروم لا تملكُ البغضاءَ للعرب
وقال أبو إسحاق الثعلبي: جاءت بنو تميم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنادوا على الباب: يا محمد اخرج إلينا، فإن مدحَنا زَيْنٌ وذمنا شيْنٌ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: "إنما ذلكم الله، مدحُه زَيْنٌ وذمُّه شَينٌ". فقالوا: نحن أناسٌ من بني تميم جئنا بشاعِرنا وخطيبنا لنُشاعِرَكَ ونفاخِرَكَ.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما بالشَّعرِ بُعثتُ، ولا بالفخارِ أُمرتُ ولكن هاتوا" فقال الزبرقان لشاب فيهم: قم فاذكر فضْلَكَ وفضْلَ قومك، وذكر بمعنى ما تقدم.
ثم إن حسانَ بنَ ثابتٍ أنشد بعد إجابته لشاعرهم بالأبيات المتقدمة: [من الطويل]
نصرنا رسولَ الله والدينَ عَنْوَةً ... على رُغْمِ عاتٍ من مَعَدٍّ وحاضِرِ
فأَحياؤنَا مِنْ خَيْرِ مَنْ وَطِئَ الحَصا ... وأمواتُنا من خيرِ أَهْلِ المقابرِ
فقام الأقرع وقال: قد قلت شعرًا فاسمعه مني، فإني ما جئت لِما جاءَ له هؤلاء، فقال: "هات" فقال: [من الطويل]
أتيناكَ كَيْما يَعْرِفَ الناسُ فَضْلَنا ... إذا جاء أَمْرٌ عند ذكر المكارمِ
¬__________
(¬1) في النسخ: نهزًا، والمثبت من السيرة 2/ 567، وانظر المغازي 3/ 980.

الصفحة 144