كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 4)

رضوان الله عليه، ورايته العظمى إلى الزبير - رضي الله عنه -، وراية الأوسِ إلى أُسَيْد بن حضير، ولواءَ الخزرج إلى أبي دُجانةَ، وقيل: إلى الحباب بن المنذر.
وكانوا يرحلون عند مَيْلِ الشمس فما يزالون إلى الليل (¬1). وكان سيرُهم في خامسِ رجب، وقيل: في عاشره.
وكان قد تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفرٌ من المسلمين أبطأت بهم النِّيَّةُ من غير شكٍّ منهم ولا ارتيابٍ، فمنهم: كعبُ بن مالك، ومُرارةُ بن الربيع، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة (¬2).
ولما سار رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك كان يتخلف رجلٌ، فيقولون: يا رسول الله تخلَّف فلان فيقول: "دعوه، إن يكُ فيه خَيْرٌ، فسَيُلْحِقْه الله بكم، وإن يك غير ذلك، فقد أراحكم الله منه"، فلاح راكبٌ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كُن أبا ذَرٍّ" فقالوا: هو أبو ذر، فقال: "يَرحمهُ اللهُ يَمشِي وَحدَهُ" (¬3).
ورجع أبو خيثمة بعد مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهله في يومٍ حارٍ، فوجد امرأتين له قد رشَّت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماءً وهيأت له فيه طعامًا، فلما نظر إلى ذلك قال: رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الضَّحِّ والريحِ والحرِّ، وأبو خيثمةَ في ظلٍّ وماء بارد وطعام مهيَّأٍ وامرأة حسناء، مقيمٌ في ماله، ما هذا بالنَّصَفِ، ثم قال لأهله: لا أدخل عريشَ واحدةٍ منكما حتى ألحق برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فهيِّئا لي زادًا، ففعلتا، ثم قدَّم ناضِحَه وارتحل في طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أدركه بتبوك حين نزلها، وقد كان وافق عُمَيْر بنَ وهبٍ الجمحيَّ في الطريق فقال له: تخلَّفْ عني فلي ذنب، فلما دنا قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبلٌ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كُن أبا خَيثمةَ" فلما وصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبره الخبَرَ فدعا له وقال خَيرًا (¬4).
وحين مرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحِجْرِ ونزله ليستقي الناس من بئرها قال: "لا تشربوا من
¬__________
(¬1) "المغازي" 3/ 996.
(¬2) "السيرة" 2/ 519.
(¬3) "السيرة" 2/ 523 - 524، و"دلائل النبوة" 5/ 221 - 222.
(¬4) "السيرة" 2/ 520 - 521.

الصفحة 153