كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 4)

في وادٍ فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة، فناداني منادٍ: عُذْ بالله، فإن الجن لا تجترئ على الله؛ قد خرج الرسولُ الأمين، وصلينا خلفه بالحَجونِ وأسلمنا واتَّبعناه، وذهب كيد الجن ورميت الشياطين بالشهب، فانْطَلِقْ إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، فلما أصبحتُ أتيتُ دَيْرَ أيوب وفيه راهبٌ فأخبرته، فقال: صدقَ، نجدُهُ يخرج من الحرم، وهو خير الأنبياء فلا تُسْبَقْ إليه. فقدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ فأسلمت (¬1).
وهو أول من قصَّ في أيام عمر رضوان الله عليه، فقال له: ما تقولُ؟ قال: أقْرأ عليهم القرآن وآمرهم بالخَيْرِ وأنهاهم عن الشر، قال: افعل، فكان يقصُّ يومًا واحدًا في الجمعة، فلما قام عثمان رضوان الله عليه استزاده يومًا آخر (¬2).
ومرّ به عمر رضوان الله عليه وهو يقص ومعه ابن عباس، فقال له: سَلْه عن زلَّةِ العالِمِ، فقال تميم: لأن العالِمَ إذا زلَّ زلَّ الناسُ فيؤاخَذ بهم (¬3)، فقال عمر - رضي الله عنه -: أحسنت.
وقال أبو سعيد الخدري: أول من أسرج المسجدَ تميمٌ الداري (¬4).
وسكن تميمٌ دمشقَ، ثم انتقل إلى فلسطين، فتوفي بها سنة أربعين، قاله الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى، وقبره ببيت حبرون.
وروى الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وروى عنه من الصحابة: ابن عباس وأنس وأبو هريرة وغيرهم، وقدم مصر لغزو البحر فروى عنه جماعة من المصريين، وأخرج له الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" ثمانية أحاديث.
وقد روى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث الجسَّاسةِ عن تميم الداري: كانت فاطمة بنت قيس من المهاجرات الأُوَلِ، وسألها الشَّعْبيُّ - واسمه عامرُ بن شَراحيل من شَعْب هَمْدان - فقال: حدثيني حديثًا سَمِعتيه من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لا تُسْنديه إلى أحدٍ غيره، فقالت: لئن
¬__________
(¬1) "الطبقات" 6/ 255.
(¬2) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (5400) من حديث الزهري، وأحمد في "مسنده" مختصرًا (15715) من حديث السائب بن يزيد.
(¬3) أخرجه ابن المبارك في الزهد (1449)، والخطيب في "الجامع لآداب الراوي" (389).
(¬4) أخرجه ابن ماجه (760).

الصفحة 170