كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)
السَّنَةُ التَّاسِعَةُ لِلْهِجْرَةِ وَهِيَ سَنَةُ الْوُفُودِ (¬1)
كَانَ لِفَتْحِ مَكَّةَ أَثَرٌ كَبِيرٌ في تَعْزِيزِ الْإِسْلَامِ، وَتَغَيُّرِ مَوْقِفِ الْعَرَبِ مِنْهُ، فتَسَارَعُوا إِلَى اعْتِنَاقِ الْإِسْلَامِ.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرِّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ، فنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟
فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ، أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَكَأَنَّمَا يُقَرُّ في صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ (¬2) بِإِسْلَامِهِمُ الْفتْحَ، فَيَقُولُونَ: اترُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَقًّا (¬3).
¬__________
(¬1) قال ابن هشام في السيرة (4/ 214): حدثني أبو عبيدة: كانت سنة تسع، تُسمى سنة الوفود.
(¬2) تَلَوَّمُ: بفتح التاء وتشديد الواو: أي تَنْتَظِرُ، أراد تتلوم، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا. انظر النهاية (4/ 238).
(¬3) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (54) - رقم الحديث (4302) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (20333) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (3963).
الصفحة 200