كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)

رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ، فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلَانٌ، فَأَصَابَ مِنْهُ.
قَالَ عَدِيٌّ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، اسْتَشْرَفَ لِيَ النَّاسُ، وَقَالُوا: جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، جَاءَ عَدْيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَلَمَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قَالَ لِي: "يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ! مَا أَفرَّكَ (¬1) أَنْ يُقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ؟ ، مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَر؟ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ؟ ، يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ" ثَلَاثًا.
قُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنَّا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ".
فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ ! .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نَعَمْ، أَلَسْتَ مِنَ الرَّكُوسِيَّةِ (¬2)، وَأَنْتَ تَأْكُلُ مِرْبَاعَ (¬3) قَوْمِكَ؟ ".
قُلْتُ: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ".
قَالَ عَدِيٌّ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا، فتَضَعْضَعْتُ (¬4) لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
¬__________
(¬1) أَفْرَرْتَ الرَّجُلَ: إذا فعلتَ به فِعْلًا يَفِرُّ منك لأجله، أي: ما يُهْرِبُكَ منَ الإسلامِ؟ . انظر جامع الأصول (9/ 112).
(¬2) الرَّكُوسِيَّةُ: هو دِينٌ بين النَّصَارى والصَّابِئِينَ. انظر النهاية (2/ 235).
(¬3) الْمِرْبَاعُ: كان الملك في الجاهلية يأخذ الرُّبع من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه، ويُسمى ذلك الربع: الْمِرْبَاعَ. انظر النهاية (2/ 171).
(¬4) تَضَعْضَعَ: خَضَعَ وذَلَّ. انظر النهاية (3/ 81). وفي رواية الإمام أحمد في مسنده: فتواضعت.

الصفحة 230