كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)

وَإِنَّ لَنَا هُنَا لَوَقفةً تُرِينَا كَيْفَ بَلَغَ حُبُّ الْجِهَادِ وَالْبَذْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ في نُفُوسِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤثِرُونَ رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ لَدَيْهِمْ، وَبِهَذِهِ الْمَعَانِي وَالْخَصَائِصِ النَّفْسِيَّةِ فتَحُوا الْعَالَمَ وَسَادُوا الدُّنْيَا (¬1).

* شَأْنُ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رضي اللَّه عنه- وَأَصْحَابِهِ:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَسْأَلُه الْحُمْلَانَ (¬2) لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ في جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ" (¬3) وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنع النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَجَدَ في نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرتُهُمُ الذِي قَالَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ (¬4)! فَأَجَبْتَهُ، فَقَالَ: أَجِبُّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ
¬__________
(¬1) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (2/ 497) للدكتور محمَّد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(¬2) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 450): الْحُمْلَانُ: بضم الحاء: أي الشيء الذي يَركبونَ عليهِ ويَحْمِلُهُمْ.
(¬3) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ".
(¬4) هو اسم أبي موسى الأشعري -رضي اللَّه عنه-.

الصفحة 285