كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)

فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ".
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دَعُوهُ، فَإنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ، فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ".
وَتَلَوَّمَ (¬1) أَبُو ذَرٍّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مَاشِيًا يَتْبَعُ الرَّسُولَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَعْضِ مَنَازِلهِ، فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كُنْ أَبَا ذَرٍّ" فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ القوْمُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ" (¬2).

* تَحَقُّقُ خَبَرِ وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ -رضي اللَّه عنه-:
وَقَدْ تَحَقَّقَ قَوْلُ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في أَبِي ذَرٍّ -رضي اللَّه عنه-، فَإِنَّهُ في خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رضي اللَّه عنه-، سَكَنَ أَبُو ذَرٍّ الرَّبَذَةَ (¬3)، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَهُ وَغُلَامَهُ، فَلَمَّا
¬__________
(¬1) تَلَوَّمَ: انتظَرَ. انظر النهاية (4/ 238).
(¬2) أخرج قصة أبي ذر -رضي اللَّه عنه-: الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب ذكر وفاة أبي ذر الغفاري -رضي اللَّه عنه- رقم الحديث (4430) - وابن إسحاق في السيرة (4/ 178) - وأوردها الحافظ في الإصابة (7/ 109) وضعَّفَ إسنادها، والألباني في السلسلة الضعيفة - رقم الحديث (5531) - وضَعَّفَ إسنادها - وأوردها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/ 12) - وحسن إسنادها.
(¬3) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (1/ 121): الرَّبَذَةُ: بفتح الراء والباء: مَوْضعٌ بالباديةِ، بينه وبين المدينة ثلاث مراحل.

الصفحة 301