كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)
كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ (¬1)، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ هَذَا؟ ".
قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي؟ ".
قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ"، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ -رضي اللَّه عنه-: . . . فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ (¬2)، ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا"، فَنِمْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَالشَّمْسُ في ظَهْرِهِ، فَقُمْنَا فَزِعِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- "ارْكبُوا"، فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمَيْضَأَةٍ (¬3) كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "احْفَظْ عَلَيْنَا مَيْضَأَتكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ".
ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَتَيْنِ (¬4)، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ (¬5) فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ.
قَالَ أَبُو قَتادَةَ -رضي اللَّه عنه-: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَجَعَلَ بَعْضُنَا
¬__________
(¬1) يَنْجَفِلُ: أي يَنْقَلِبُ ويَسْقُطُ. انظر النهاية (1/ 270).
(¬2) أي نام.
(¬3) الْمَيْضَأَةُ: مَطْهَرةٌ كبيرةٌ يُتَوَضَّأُ منها. انظر النهاية (4/ 324).
(¬4) في رواية الإِمام أحمد في مسنده: وصلوا الركعتين قبل الفجر.
(¬5) صلاة الغَدَاةِ: هي صلاة الفجر. وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده: ثم صلوا الفجر.
الصفحة 318