كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)
يَدْعُوهُ فِيهَا إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ دَفع الْجِزيَةِ، أَوِ الْقِتَالُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ: لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ (¬1) رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِحِمْصٍ، وَكَانَ جَارًا لِي، شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ بَلَغَ الفنَدَ (¬2) أَوْ قَرُبَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ رِسَالَةِ هِرَقْلَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى هِرَقْلَ؟
فَقَالَ: بَلَى، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَبُوكَ، فَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ إِلَى هِرَقْلَ، فَلَمَّا أَنْ جَاة كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَعَا قِسِّيسِي (¬3) الرُّومِ وَبَطِارِقتَهَا (¬4)، ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ بَابًا، فَقَالَ: قَدْ نَزَلَ هَذَا الرَّجُلُ حَيْثُ رَأَيْتُمْ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيَّ يَدْعُونِي إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: يَدْعُونِي إِلَى أَنْ أَتَّبِعَهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَهُ مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا، وَالْأَرْضُ أَرْضُنَا، أَوْ نُلْقِيَ إِلَيْهِ الْحَرْبَ.
ثُمَّ قَالَ هِرَقْلُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ فِيمَا تَقْرَؤُونَ مِنَ الْكُتُبِ لَيَأْخُذَنَّ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، فَهَلُمَّ نَتَّبِعُهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ نُعْطِيهِ مَالَنَا مِنْ أَرْضِنَا، فنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ
¬__________
(¬1) التَّنُوخِيّ: بفتح التاء، هو رسول هرقل إلى رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان حينئذ كافرًا، ثم أسلم بعد وفاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، فهو تابعي اتفاقًا.
(¬2) الْفَنَد: الْخَرَفُ وإنكارُ العقلِ منَ الْهَرَمِ أو المرضِ. انظر لسان العرب (10/ 332).
ومنه قوله تَعَالَى على لسان يعقوب عليه السَّلام في سورة يوسف آية (94): {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ}.
(¬3) القسُّ: بفتح القاف رئيسٌ من رُؤَسَاءِ النصارى في الدِّينِ والعِلْمِ. انظر لسان العرب (11/ 157).
(¬4) الْبِطْرِيقُ: هو الْحَاذِقُ بالْحَرْبِ وأمورها بلغة الرُّومِ. انظر النهاية (1/ 134).
الصفحة 335