كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)

وَاحِدٍ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَرَانِسِهِمْ (¬1)، وَقالُوا: تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَدَعَ النَّصْرَانِيَّةَ، أَوْ نَكُونَ عَبِيدًا لِأَعْرَابيٍّ جَاءَ مِنَ الْحِجَازِ! .
فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنْ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، أَفْسَدُوا عَلَيْهِ الرّومَ رَفَّأَهُمْ (¬2) وَلَمْ يَكَدْ (¬3)، ؤقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لَكُمْ لِأَعْلَمَ صَلَابَتَكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، ثُمَّ دَعَا رَجُلًا مِنْ عَرَبِ تُجِيبَ كَانَ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: ادْعُ لِي رَجُلًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، عَرِبيَّ اللِّسَانِ، أَبْعَثْهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِجَوَابِ كِتَابِهِ، فَجَاءَ بِي، فَدَفعَ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا، فَقَالُ: اذْهَبْ بِكِتَابِي إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَمَا ضَيَّعْتَ مِنْ حَدِيثِهِ فَاحْفَظْ لِي مِنْهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ:
1 - انْظُرْ هَلْ يَذْكُرُ صَحِيفَتَهُ التِي كَتَبَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ .
2 - وَانْظُرْ إِذَا قَرَأَ كِتَابِي، فَهَلْ يَذْكُرُ اللَّيْلَ؟ .
3 - وَانْظُرْ فِي ظَهْرِهِ، هَلْ بِهِ شَيْءٌ لا يَرِيبُكَ؟
قَالَ التَّنُوخِيُّ: فَانْطَلَقْتُ بِكِتَابِهِ حَتَّى جِئْتُ تَبُوكَ، فَإِذَا هُوَ (¬4) جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ مُحْتَبِيًا (¬5) عَلَى الْمَاءِ (¬6)، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَاحِبُكُمْ؟
¬__________
(¬1) الْبُرْنُس: هو كُلُّ ثوبٍ رأسه منه مُلْتَزِقٌ به، من دُرَّاعَةٍ أو جُبَّةٍ أو غيره. انظر النهاية (1/ 121).
(¬2) رَفَّاَهُمْ: أي سَكَّنَهُمْ ورَفَقَ بِهِمْ. انظر النهاية (2/ 219).
(¬3) لم يَكَدْ: بفتح الكاف أي لم يُلحّ عليهم. انظر لسان العرب (12/ 43).
(¬4) أي الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(¬5) الِاحْتِبَاءُ: هو أَنْ يَضُمَّ الإنسانُ رِجليهِ إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشدّه عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض عن الثوب. انظر النهاية (1/ 324).
(¬6) الْمَاءُ: هو عَيْنُ تَبُوكَ.

الصفحة 336