كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)
فَفَعَلَ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَأَخْبَرَهُ بِقُدُومِ وَفْدِ ثَقِيفٍ عَلَيْهِ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِمَقْدِمِهِمْ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعبَةَ -رضي اللَّه عنه-، فَعَلَّمَهم كَيْفَ يُحَيُّونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِإِنْزَالِهِم فِي الْمَسْجِدِ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ، فَضَرَبَ لَهُمْ قُبَّةً فِي نَاحِيَتهِ حَيْثُ يَسْمَعُونَ الْقرآنَ.
وَمَكَثُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهُوَ يَدْعُوهُم إِلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى سَأَلَ رَئِيْسُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَن يَكْتُبَ لَهُمْ كِتَابا: يَأْذَنُ لَهُمْ فِيهِ بِالزِّنَى، وَالرِّبَا، وَشُرْبِ الْخَمرِ، وَأَنْ يُعفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (¬1).
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ، لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهم، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا (¬2)، وَلَا يُعْشَرُوا (¬3)، وَلَا يُجَبُّوا (¬4)، وَلَا يُسْتَعمَلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:
¬__________
(¬1) انظر سيرة ابن هشام (4/ 192 - 193) - الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 151).
(¬2) لا يُحْشَرُوا: بضم الياء أي لا يُنْدَبُونَ إلى المغازي، ولا تُضْرَبُ عليهم البعوث. انظر النهاية (1/ 374).
(¬3) لا يُعْشَرُوا: أي لا يُؤخَذُ عُشْرُ أموالهم، وقيل: أرادوا به الصدقة الواجبة، وإنما فسح لهم رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في تركها، لأنها لم تكن واجبة يومئذ عليهم، إنما تجب بتمام الحول. انظر النهاية (3/ 216).
(¬4) أصل التَّجْبِيَةِ: أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على ركبتيه وهو=
الصفحة 385