كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)

قَالَ: إِنَّ آخِرَ كَلَامٍ كَلَّمَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إِذِ اسْتَعمَلَنِي عَلَى الطَّائِفِ، فَقَالَ: "خَفِّفِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّاسِ" حَتَّى وَقَّتَ لِي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (¬1)، وَأَشْبَاهها مِنَ الْقُرآنِ (¬2).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: وَكَانَتْ تِلْكَ حِكْمَةً بَالِغَةً مِنَ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَإِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا (¬3) أَنْ يتَحَلَّلُوا مِنَ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَسْأَمُوا (¬4)، وَلَعَلَّ فِي هَذَا بَلَاغًا لِلَّذِينَ يُنَفِّرُونَ النَّاسَ أَوْ بَعضَهُم بِإِطَالَةِ الصَّلَاةِ (¬5).

* شَكْوَى عُثْمَانَ -رضي اللَّه عنه-:
جَاءَ عُثْمَانُ -رضي اللَّه عنه- يَوْمًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بَعْدَ أَنِ اسْتعمَلَهُ، يَشْكُو إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، يُلَبِّسُها عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ذَاكَ شَيْطَان يُقَالُ لَهُ خِنْزَبُ (¬6)، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا".
¬__________
(¬1) سورة العلق آية (1).
(¬2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (17916).
(¬3) رَغِبَ: إذا حَرِصَ على الشيء، وطمع فيه. انظر لسان العرب (5/ 254).
(¬4) السّاَمَةُ: المَللُ والضجرُ. انظر النهاية (2/ 296).
(¬5) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (2/ 530).
(¬6) قال الإمام النووي في شرح مسلم (14/ 159): خِنْزَبُ: بكسر الخاء وسكون النون.

الصفحة 389