كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)

* إِسْلَامُ ثَقِيفٍ:
ثُمَّ انْصَرَفَ الْوَفْدُ إِلَى بِلَادِهِم، بَعْدَ أَنْ أَقَامُوا نِصْفَ شَهْرٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقَدْ أَكْرَمَهُمْ وَحبَاهُمْ، فَلَمَّا أَتَوُا الطَّائِفَ وَجَاءَتْهُمْ ثَقِيفٌ كتَمُوهُمُ الْحَقِيقَةَ، وَأَظْهرُوا الْحُزْنَ وَالْكَآبَةَ، وَخَوَّفُوهُم بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَقَالُوا لَهُمْ: أتَيْنَا رَجُلًا فَظًّا غَلِيظًا قَدْ ظَهرَ بِالسَّيْفِ وَدَانَ (¬1) لَهُ النَّاسُ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شِدَادًا أَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ، سَأَلنَا أَنْ نَهْدِمَ اللَّاتَ، وَنُبْطِلَ أَموَالَنَا فِي الرِّبَا، وَنُحَرِّمَ الْخَمْرَ وَالزِّنَى، فَأَخَذَتْ ثَقِيفٌ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ هَذَا أَبَدًا، فَقَالُوا لَهُمْ: أَصْلِحُوا السِّلَاحَ وَتَهيَّؤوا لِلْقِتَالِ.
فَمَكَثَتْ ثَقِيفٌ كَذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَقَالُوا لِلْوَفْدِ: وَاللَّهِ مَا لَنَا بِهِ مِنْ طَاقَةٍ، وَقَدْ أَدَاخَ الْعَرَبَ كُلَّها، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ، وَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَبْدَى الْوَفْدُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ قَاضَيْنَاهُ وَأَسْلَمْنَا، وَوَجَدنَاهُ أَتْقَى النَّاسِ وَأَوْفَاهُم، وَأَرحَمَهُم، وَأَصْدَقَهُمْ، وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إِلَيْهِ، وفيمَا قَاضَيْنَاهُ عَلَيْهِ.
فَقَالَتْ ثَقِيفٌ: لِمَ كتَمْتُمُونَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَغَمَمْتُمُونَا أَشَدَّ الْغَمِّ؟ .
فَقَالُوا: أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشَّيْطَانِ، فَأَسْلَمُوا (¬2).
¬__________
(¬1) دَانَ: ذَلَّ. انظر لسان العرب (4/ 450).
(¬2) انظر تفاصيل قدوم وفد ثقيف للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في: سيرة ابن هشام (4/ 191) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (1/ 151) - دلائل النبوة للبيهقي (5/ 302 - 303) - البداية والنهاية (5/ 32).

الصفحة 392