كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)
فَأَتَيْنَاهُ، فَسَلَّمنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: أَنْتَ وَليُّنَا، وَأَنْتَ سَيِّدُنَا، وَأَنْتَ أَطْوَلُ عَلَيْنَا، وَأَنْتَ أَفْضَلُنَا عَلَيْنَا فَضْلًا، وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ (¬1).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قُولُوا قَوْلَكُمْ، وَلَا يَسْتَجِرَنَّكُمُ (¬2) الشَّيْطَانُ" (¬3).
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: وَمَعنَى الْحَدِيثِ: يَقُولُ: تَكَلَّمُوا بِمَا يَحْضُرُكُم مِنَ الْقَوْلِ، وَلَا تَسْجَعُوا، كَأَنَّمَا تَنْطِقُونَ عَلَى لِسَانِ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مَدَحُوهُ، فَكَرِهَ لَهُمُ الْمبالَغَةَ فِي الْمدحِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ (¬4).
قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دِلَالَةٌ وَاضِحَةٌ مِنَ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى عَدَمِ الْمبالَغَةِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ فِي مَدحِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَهُوَ الْإِطْرَاءُ الذِي نَهى عَنْهُ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامِ أَخمَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَريَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُوله" (¬5).
¬__________
(¬1) قال ابن الأثير في النهاية (1/ 271): كانت العرب تدعو السيد المطعام جفنة؛ لأنه يضعها، ويُطعم الناس فيها فسمي باسمها، والغراء البيضاء: أي أنها مملوءة بالشحم والدهن.
(¬2) قال ابن الأثير في جامع الأصول (11/ 49) يقال: جريت جريًا، واستجريت جريًا: أي اتخذت وكيلًا.
(¬3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (16311) - وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب في كراهية التمادح - رقم الحديث (4806) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (8515).
(¬4) انظر جامع الأصول (11/ 49).
(¬5) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ. . .} - رقم الحديث (3445) - وأحمد في مسنده - رقم الحديث (154).