كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)
بِيعَةً (¬1) لَنَا، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طُهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فتَوَضَّأَ مِنْهُ وَتَمَضْمَضَ، وَصَبَّ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "اذْهبُوا بِهذَا الْمَاءِ، فَإِذَا قَدِمتُم بَلَدَكُم، فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُم، ثُمَّ انْضَحُوا (¬2) مَكَانَها مِنْ هَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوا مَكَانَها مَسْجِدًا".
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه! الْبَلَدُ بَعِيدٌ، وَالْحَرُّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءُ يَنْشَفُ، قَالَ: "فَأَمِدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا".
فَخَرَجْنَا فتَشَاحَحْنَا (¬3) عَلَى حَملِ الْإِدَاوَةِ أَيُّنَا يَحْمِلُهَا، فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَوْبًا (¬4) لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَخَرَجْنَا بِهَا حَتَّى قَدِمنَا بَلَدَنَا، فَعَمِلْنَا الذِي أَمَرَنَا (¬5)، وَرَاهِبُ ذَلِكَ القوْمِ رَجُل مِنْ طَيْءٍ، فنَادَيْنَا بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ: دَعوَةُ حَقٍّ، ثُمَّ هَرَبَ، فَلَمْ يُرَ بَعْدُ (¬6).
* * *
¬__________
(¬1) بِيعَة: بكسر الباء هي كنيسة اليهود، وقيل كنيسة لنصارى، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الحج آية (40): {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}. انظر لسان العرب (1/ 558)
(¬2) النَّضْحُ: الرَّشُ. انظر لسان العرب (14/ 173).
(¬3) الشُّح: أشد البخل. انظر النهاية (2/ 401).
(¬4) نَاوَبَهُ في الشيء والأمر: أي ساهمه فيه وتداوله معه. انظر المعجم الوسيط (2/ 961).
(¬5) في رواية النسائي قال: فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجدًا.
(¬6) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء - رقم الحديث (1123) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المساجد - باب اتخاذ البيع مساجد - رقم الحديث (782).
الصفحة 410