كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)
عَنْ أَبِي الطُّفْيَلِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: رَأَيْتَ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلًا حَيًّا رَأَى النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- غَيْرِي.
وَفِي لفظٍ قَالَ -رضي اللَّه عنه-: مَا بَقِيَ أَحَدٌ رَأَى النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- غَيْرِي (¬1).
قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي السِّيَرِ: أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ خَاتِمُ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ -رضي اللَّه عنه- صَادِقًا، عَالِمًا، شَاعِرًا، فَارِسًا، عُمِّرَ دَهْرًا طَوِيلًا، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ -رضي اللَّه عنه- حُرُوبَهُ، وَمَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةً عَشْرٍ وَمِئَةٍ (¬2).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ" (¬3).
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْه الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّ هَذِهِ الْمُدَةَ تَخْتَرِمُ (¬4) الْجِيلَ الذِي هُمْ فِيهِ، فَوَعَظَهُمْ بِقِصَرِ أَعْمَارِهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَعْمَارَهُمْ لَيْسَتْ كَأَعْمَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمَمِ لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ (¬5).
¬__________
(¬1) أخرجه البخاري فِي الأدب المفرد - رقم الحديث (610).
(¬2) انظر سير أعلام النبلاء (3/ 467).
(¬3) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب السمر في العلم - رقم الحديث (116) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تأتي مئة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" - رقم الحديث (2537).
(¬4) انْخِرَامُهُ: ذهابه وانقضاؤه. انظر النهاية (2/ 27).
(¬5) انظر فتح الباري (1/ 287).
الصفحة 501