كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)

قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِعَرَفَاتٍ، وَقَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَؤُوبَ (¬1)، فَقَالَ: "يَا بِلَالُ أَنْصِتْ لِيَ النَّاسَ"، فَقَامَ بِلَالٌ، فَقَالَ: أَنْصِتُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَأَنْصَتَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَعْشَرَ النَّاسِ أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفًا فَأَقْرَأَنِي مِنْ رَبِّي السَّلَامَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ"، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي اللَّه عنه-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هَذَا لَكُمْ، وَلِمَنْ أَتَي مِنْ بَعْدِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي اللَّه عنه-: كَثُرَ خَيْرُ اللَّهِ وَطَابَ (¬2).

* نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}:
وَنَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (¬3)، فَلَمَّا سَمِعَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي اللَّه عنه- بَكَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ ".
قَالَ: أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ، أَمَا إِذَا كَمُلَ، فَإِنَّهُ لَا يَكْمُلُ شَيْءٌ إِلَّا
¬__________
(¬1) تؤوب: أي تغرب، من الأوب: وهو الرجوع؛ لأنها ترجع بالغرب إِلَى الموضع الذي طلعت منه. انظر النهاية (1/ 80).
(¬2) أورده المنذري فِي الترغيب والترهيب - رقم الحديث (1737) - وانظر السلسة الصحيحة للألباني رَحِمَهُ اللَّهُ (4/ 164).
(¬3) سورة المائدة آية (3).

الصفحة 517