كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)
الْقُرْصُ، أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، سَالِكًا طَرِيقَ الْمَأْزِمَيْنِ (¬1)، وَهُوَ يُلَبِّي فِي مَسِيرِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، خَلْفَهُ، وَأَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِالسَّكِينَةِ (¬2)، وَقَدْ ضَمَّ إِلَيْهِ زِمَامَ نَاقَتِهِ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ طَرَفَ رَحْلِهِ، وَهُوَ يَقُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رُوَيْدًا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ (¬3) لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ (¬4) "، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَسِيرُ الْعَنَقَ (¬5)، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً (¬6) سَارَ النَّصَّ (¬7)، وَهُوَ فَوْقَ الْعَنَقِ، وَكُلَّمَا أَتَى حَبْلًا (¬8) مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لِلنَّاقَةِ زِمَامَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ.
فَلَمَّا كَانَ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ الشِّعْبِ (¬9) نَزَلَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وُضُوءًا
¬__________
(¬1) الْمَأْزِمين: بفتح الميم، وإسكان الهمزة وكسر الزاي: موضع معروف بين عرفة والمزدلفة. انظر زاد المعاد (2/ 228).
(¬2) السكينة: أي الوقار والتأني في الحركة والسير. انظر النهاية (2/ 346).
(¬3) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 336): البر: بكسر الباء، اسم لكل ما يُتقرب به إِلَى اللَّه من العمل.
(¬4) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 336): الإيضاع: السير السريع، فبيَّن رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تكلف الإسراع فِي السير ليس من البر أي مما يتقرب به.
(¬5) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 330): العنق: بفتح العين والنون هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع.
(¬6) الفجوة: المتسع. انظر النهاية (3/ 371).
(¬7) النَّصُّ: نوع من السير سريع. انظر النهاية (5/ 55).
(¬8) الحَبْل: القطعة من الرمل ضخمة ممتدة. انظر النهاية (1/ 321).
(¬9) الشِّعب: بكسر الشين هو ما انفرج بين جبلين. انظر لسان العرب (7/ 128).
الصفحة 522