كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)

فَعِنْدَ ذَلِكَ أَحَسَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِخِفَّةٍ، فَخَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَاصِبًا رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ (¬1) دَسْمَاءَ (¬2)، وَعَلَيْهِ مَلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ جَلَسَ -وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ-، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ الذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ (¬3)، ثُمَّ قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ"، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وأمهاتنا، فَعَجِبَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَالُوا: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ! إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ -رضي اللَّه عنه- رَاوِي الْحَدِيثِ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- هُوَ الْعَبْدُ (¬4)، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا.
¬__________
(¬1) هذه رواية البخاري في صحيحه - رقم الحديث (3800) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (6593).
وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (467) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2432) (3800): خرقة.
(¬2) الدسماء: السوداء. انظر النهاية (2/ 110).
(¬3) أخرج استغفاره -صلى اللَّه عليه وسلم- لشهداء أُحد: ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب مرض النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رقم الحديث (6596) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (21951) - وإسناده صحيح.
(¬4) في رواية أخرى في الصحيح: المخيّر.

الصفحة 593