كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 4)
رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَيْتِي، قَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ".
قَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ.
قَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَاللَّهِ مَا بِي إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَوَّلِ مَنْ يَقُومُ فِي مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قَالَتْ: فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (¬1).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفٍ" (¬2).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا، قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَلَا كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلَّا
¬__________
(¬1) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (716) قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لحفصة بنت عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قولي له: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل للناس".
(¬2) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما - رقم الحديث (418) (94).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (2/ 374): وصواحب جمع صاحبة، والمراد أنهن مثل صواحب يوسف عليه السلام في إظهار حلاف ما في الباطن، . . . ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا امرأة العزيز استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف عليه السلام، ويعذرنها في محبته، وأن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن لا يتشاءم الناس به.