كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 4)
1442 - حدثنا ابن أبي مسرة، نا سعيد بن منصور، نا هشيم، عن يونس (¬1)، ومنصور (¬2)، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ -رضي الله عنه- قال: قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديك كآخرة الرحل أو واسطة الرحل" وقال (¬3): "يقطع الصلاة المرأة والحمار، والكلب الأسود".
قلت: يا أبا ذرّ، ما بال الأسود من الأحمر من الأبيض؟ قال: يا ابن أخي، سألتني عما سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنه (¬4)؟ فقال: "إنّ الكلب الأسود هو شيطان" (¬5).
¬_________
(¬1) هو ابن عبيد بن دينار العبدي.
(¬2) هو ابن زاذان الواسطي.
(¬3) وفي "ك" "قال": بدون الواو.
(¬4) "عنه" لم يذكر في "ك".
(¬5) وقد أخرجه مسلم -رحمه الله تعالى- عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن يونس به. انظر: صحيحه، كتاب الصلاة، باب =
-[190]- = قدر ما يستر المصلي، برقم 265، 1/ 365. ولكن ليس عنده "أو كواسطة الرحل"، وهي مذكورة في جامع الترمذي برقم 338، 1/ 161، أخرجها عن أحمد بن منيع عن هشيم به، كما عند المصنف -رحمه الله تعالى-، وعند مسلم أيضًا "من الكلب الأصفر" بدل "الأبيض" كما هو عند المصنف والإمام الترمذي.
وقد جاءت أحاديث متعارضة في قطع الصلاة بمرور المرأة والحمار، والكلب الأسود بين يدى المصلي، فثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي ذر، وأبي هريرة وغيرهما "يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب الأسود إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل" وثبت في الصحيحين وغيرهما أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي من الليل وأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- معترضة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة. وروى من حديث أبي سعيد الخدري، وابن عمر، وأبي أمامة، وأنس، وجابر بن عبد الله -رضي الله عنه- عند أبي داود برقم 719، والدارقطني 1/ 366 والبيهقي 2/ 278، والطبراني في الكبير 8/ 165 برقم 7688 مرفوعًا: " لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤا ما استطعتم، فإنَّما هو شيطان"، ولكنه ضعيف، وقد ضعفه ابن حزم، وابن الجوزي، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حجر في الفتح، والشيخ الألباني، إلا أن الحافظ ابن حجر حسنه من طريق أنس في الدراية، والشيخ أحمد شاكر -وفي ذلك نظر-.
وهذا هو مجمل الأحاديث الواردة في هذا الباب، وقد اختلفت وجهة العلماء رحمهم الله في الكلام عليها وتعارضها على أقوال، وأبرزها ما يلي:
1 - ذهب بعض العلماء إلى العمل بحديث أبي ذرّ -رضي الله عنه- وما وافقه وأن ما خالفه أحاديث صحيحه غير صريحة، أو صريحة غير صحيحة، فلا يترك العمل بحديث أبي ذر -رضي الله عنه- الصريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة -رضي الله عنها- وما وافقه، والفرق بين المار والنائم في القبلة أن المرور حرام بخلاف الاستقرار نائمًا كان أو غيره. =
-[191]- = فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لبثها، وهذا القول هو مذهب إمام السنة أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى.
2 - وذهب البعض -ومنهم الطحاوي، وابن عبد البر- إلى أن حديث أبي ذرّ وما وافقه منسوخ بحديث عائشة وغيرها، وأيّد هذا القول أحمد شكر واستدل له بحديث "لا يقطع الصلاة شيء"، وقد سبق ما فيه.
3 - وذهب البعض -ومنهم الإمام الشافعي، والخطابي، والبغوي، والقرطبي، والنووي- إلى تاويل القطع في حديث أبي ذرّ -رضي الله عنه- وما وافقه بأن المراد به نقص الخشوع لا الخروج من الصلاة، قال الخطابي: وقد يحتمل أن يتأول حديث أبي ذر على أن هذه الأشخاص إذا مرت بين يدي المصلي قطعته عن الذكر وشغلت قلبه عن مراعاة الصلاة، فذلك معنى قطعها للصلاة دون إبطالها من أصلها حتى يكون فيها وجوب الإعادة. وأيّده الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-.
والراجح -والله سبحانه وتعالى أعلم- القول الأول لقوة دليله، ولو أنّ أحاديث "لا يقطع الصلاة شيء ... " وما وافقها صحت لأمكن التوفيق بينها وبين حديث أبي ذر -رضي الله عنه- وما وافقه بصورة لا يبقى معها وجه للتعارض أو دعوى النسخ، وذلك بأن يقَيّد عموم تلك الأحاديث بمفهوم حديث أبي ذرّ وما وافقه، فيقال: لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه سترة، وإلا قطعها المذكورات فيه كما نص عليه الشيخ الألباني -حفظه الله تعالى- والله سبحانه وتعالى أعلم. انظر: اختلاف الحديث ص 138، وصحيح ابن خزيمة 2/ 21، ومعالم السنن 1/ 360، والتمهيد 4/ 185، 21/ 166، وشرح السنة 2/ 76، وشرح النووي 4/ 169، والقواعد النورانية ص 31 - 34، وزاد المعاد 1/ 295، وطرح التثريب 2/ 387، والدراية 1/ 178 (221)، والفتح 1/ 589، ونيل الأوطار 3/ 12 - 15، وتعليق الشيخ أحمد شكر على جامع =
-[192]- = الترمذي 2/ 163 - 166، وضعيف سنن أبي داود برقم 117، 116، والضعيفة برقم 5661، وضعيف الجامع الصغير برقم 6366، وتمام المنة ص 306.