كتاب المصنف لعبد الرزاق الصنعاني - ط التأصيل (اسم الجزء: 4)

فَلَمَّا كَانَ جَيْشُ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ، فَذَكَرَ حَرِيقَهَا فِي زَمَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِي، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْلاَ حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ فِي الْحِجْرِ، ضَاقَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، وَالْخَشَبُ.
قَالَ ابْنُ خُثَيْمٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا، يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا، وَيَخْرُجُونَ مِنْ هَذَا.
فَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ جَعَلَتْ لَهَا دَرَجًا، يَرْقَى الَّذِي يَأْتِيهَا عَلَيْهَا، فَجَعَلَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ لاَصِقَةً بِالأَرْضِ.
فَقَالَ ابْنُ خُثَيْمٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ سَابِطٍ، أَنَّ زَيْدًا أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ لَمَّا بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَشَفُوا عَنِ الْقَوَاعِدِ، فَإِذَا بِحَجَرٍ مِنْهَا مِثْلِ الْخَلِفَةِ، مُتَشَبِّكًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، إِذَا حُرِّكَتْ بِالْعَتَلَةِ تَحَرَّكَ الَّذِي مِنْ نَاحِيَتِهِ الأُخْرَى.
قَالَ ابْنُ سَابِطٍ: فَأَرَانِيهِ زَيْدٌ لَيْلاً بَعْدَ الْعِشَاءِ، فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَرَأَيْتُهَا أَمْثَالَ الْخِلَفِ، مُتَشَبِّكَةً أَطْرَافُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليه وسَلم: فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، وَهِيَ تُحِبُّ الأُنْسَ.
فَنَزَلُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلَامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنفَسَهُمْ (1)، وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ الْغُلَامُ، فَلمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ، يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ؟ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ هَيْئَتِهِمْ، عَنْ عَيْشِهِمْ؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، وَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ، فَأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، كَأَنهُ أَنِسَ شَيْئًا، قَالَ: فَهَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنَا عَنْ عَيْشِنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي شِدَّةٍ وَجَهْدٍ، قَالَ: هَلْ (2) أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَن أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَلِكَ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَن أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى،
_حاشية__________
(1) هكذا في طبعتي دار التأصيل، ودار الكتب العلمية، وفي طبعة المكتب الإسلامي: "أَنفَسَهُمْ".
(2) في طبعتي دار التأصيل، والمكتب الإسلامي: «أَبِي»، والمُثبت عن طبعة دار الكتب العلمية.

الصفحة 351