كتاب شرح معاني الآثار (اسم الجزء: 4)
§بَابُ الْقَسَمِ
6819 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحُسَيْنِ الطَّحَّانُ , قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ , فِيهِ ذِكْرُ §رُؤْيَا عَبَّرَهَا أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: أَصَبْتُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَصَبْتَ بَعْضًا , وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا» , قَالَ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ , يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «لَا تُقْسِمُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى كَرَاهَةِ الْقَسَمِ , وَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى شَيْءٍ , وَأَعْظَمُوا ذَلِكَ. وَكَانَ مِمَّنْ أَعْظَمَ ذَلِكَ , اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , فَذَكَرَ لِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا , عَنْ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ قَالَ: أَتَيْتُ بَكْرَ بْنَ مُضَرَ لِأَعُودَهُ , فَجَاءَ اللَّيْثُ , فَهَمَّ بِالصُّعُودِ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ بَكْرٌ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ , فَقَالَ لَهُ اللَّيْثُ: أَوَتَدْرِي مَا الْقَسَمُ؟ أَوَتَدْرِي مَا الْقَسَمُ؟ أَوَتَدْرِي مَا الْقَسَمُ؟ . وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَلَمْ يَرَوْا بِالْقَسَمِ بَأْسًا , وَجَعَلُوهُ يَمِينًا , وَحَكَمُوا لَهُ بِحُكْمِ الْيَمِينِ , وَقَالُوا قَدْ ذَكَرَ اللهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2] وَقَالَ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: 75] وَقَالَ: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1] . فَكَانَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ جَمِيعًا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا صِلَةٌ. وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} [النحل: 38] فَلَمْ يَعِبْهُمْ بِقَسَمِهِمْ , وَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ فَقَالَ: {بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} [النحل: 38] . وَكَانَ فِي ذِكْرِهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَسَمَ كَانَ مِنْهُمْ يَمِينًا. وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17] فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: {وَلَا يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 18]
6820 - فَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: «فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ §الْقَسَمَ يَمِينٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْيَمِينِ» وَإِذَا كَانَتْ يَمِينًا , كَانَتْ مُبَاحَةً , فِيمَا سَائِرُ الْأَيْمَانِ فِيهِ مُبَاحَةٌ , وَمَكْرُوهَةً فِيمَا سَائِرُ الْأَيْمَانِ فِيهِ مَكْرُوهَةٌ. -[270]- وَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا , عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ , فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ , الَّذِي ذَكَرْنَا , فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي كَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَسَمِ , لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ أَجْلِهِ , هُوَ أَنَّ التَّعْبِيرَ الَّذِي صَوَّبَهُ فِي بَعْضِهِ , وَخَطَّأَهُ فِي بَعْضِهِ , لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ , وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ مَا يُعَبِّرُ لَهُ الرُّؤْيَا كَمَا نَهَى أَنْ تُوطَأَ الْحَوَامِلُ , عَلَى الْإِشْفَاقِ مِنْهُ أَنْ يُضِرَّ ذَلِكَ بِأَوْلَادِهِمْ. فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَلَا يُضِرُّ بِأَوْلَادِهِمْ , أَطْلَقَ مَا كَانَ حَظَرَ مِنْ ذَلِكَ
وَكَمَا قَالَ فِي تَلْقِيحِ النَّخْلِ: «§مَا أَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا» فَتَرَكُوهُ , وَنَزَعُوا عَنْهُ , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ ظَنَنْتُهُ , إِنْ كَانَ يُغْنِي شَيْئًا فَلْيَصْنَعُوهُ , فَإِنَّمَا أَنَا بِشْرٌ مِثْلُكُمْ , وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ ظَنَنْتُهُ , وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ , وَلَكِنْ مَا قُلْتُ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ»
الصفحة 269