كتاب سبل السلام - البابي الحلبي (اسم الجزء: 4)

يخلو قلبك مما خلت منه يدك وقيل بذل ما تملك ولا تؤثر ما تدرك وقيل ترك الأسف على معدوم ونفي الفرح بمعلوم قاله المناوي في تعريفاته وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذر مرفوعا الزهادة في الدنيا ليست بتحر الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أتها بقيت لك انتهى فهذا التفسير النبوي يقدم على كل تفسير والورع تجنب الشبهات خوف الوقوع في محرم وقيل ترك ما يريبك ونفي ما يعيبك وقيل الأخذ بالأوثق وحمل النفس على الأشق وقيل النظر في المطعم واللباس وترك ما به بأس وقيل تجنب الشبهات ومراقبة الخطرات
1- عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات" ويروى " مشبهات " بضم الميم وتشديد الموحدة ومشبهات بضمها أيضا وتخفيف الموحدة "لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ" بالهمزة من البراءة أي حصل له البراءة من الذم الشرعي وصان عرضه من ذم الناس "لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" أي يوشك أن يقع فيه وإنما حذفه لدلالة ما بعده عليه إذ لو كان الوقوع في الشبهات وقوعا في الحرام لكانت من قسم الحرام البين وقد جعلها قسما برأسه وكما يدل له التشبيه بقوله "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" متفق عليه
أجمع الأئمة على عظم شأن هذا الحديث وأنه من الأحاديث التي تدور عليها قواعد الإسلام قال جماعة هو ثلث الإسلام فإن دورانه عليه وعلى حديث الأعمال بالنيات وعلى حديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقال أبو داود إنه يدور على أربعة هذه ورابعها حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقيل حديث "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس"
قوله ال"حلال بين" أي قد بينه الله ورسوله إما بالإعلام بأنه حلال نحو أحل لكم صيد البحر الآية وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً} أو سكت عنه تعالى ولم يحرمه فالأصل حله أو بما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حلال أو امتن الله ورسوله به فإنه لازم حله وقوله والحرام بين أي بينه الله لنا في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم نحو {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} أو بالنهي عنه نحو {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} والإخبار عن الحلال بأنه بين إعلام بحل الانتفاع به في وجوه النفع كما أن الإخبار بأن الحرام بين إعلام باجتنابه وقوله وبينهما مشتبهات لا يعلمهن

الصفحة 171