كتاب سبل السلام - البابي الحلبي (اسم الجزء: 4)

عنده هي المحبوبة وهذا غاية الضلال فإنه لا فرق بين الحجر وبين الذهب إلا من حيث إنه تقضى به الحاجات فهذا سبب حب المال ويتفرع منه الشح وعلاجه بضده فعلاج الشهوات القناعة باليسير وبالصبر وعلاج طول الأمل الإكثار من ذكر الموت وذكر موت الأقران والنظر في ذكر طول تعبهم في جمع المال ثم ضياعه بعدهم وعدم نفعه لهم وقد يشح بالمال شفقة على من بعده من الأولاد وعلاجه أن يعلم أن الله هو الذي خلقهم فهو يرزقهم وينظر في نفسه فإنه ربما لم يخلف أبوه له فلسا ثم ينظر ما أعد الله عز وجل لمن ترك الشح وبذل من ماله في مرضاة الله وينظر في الآيات القرآنية الحاثة على الجود المانعة عن البخل ثم ينظر في عواقب البخل في الدنيا فإنه لا بد لجامع المال من آفات تخرجه على رغم أنفه فالسخاء خير كله ما لم يخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه وقد وقد أدب الله عباده أحسن الآداب فقال -والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما-فخيار الأمور أوسطها وخلاصته أنه إذا وجد العبد المال أنفقه في وجوه المعروف بالتي هي أحسن ويكون بما عند الله أوثق منه بما هو لديه وإن لم يكن لديه مال لزم القناعة والتكفف وعدم الطمع
5- وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه هو محمود بن لبيد الأنصاري الأشهلي ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث عنه أحاديث قال البخاري له صحبة وقال أبو حاتم لا تعرف له صحبة وذكره مسلم في التابعين قال ابن عبد البر الصواب قول البخاري وهو أحد العلماء مات سنة ست وتسعين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" كأنه قيل ما هو فقال صلى الله عليه وسلم "الرياء" أخرجه أحمد بإسناد حسن الرياء مصدر راءي ومصدره يأتي على بناء مفاعلة وفعال وهو مهموز العين لأنه من الرؤية ويجوز تخفيفها بقلبها ياء وحقيقته لغة أن يرى غيره خلاف ما هو عليه وشرعا أن يفعل الطاعة ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله أو يخبر بها أو يجب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه وقد ذمه الله في كتابه وجعله من صفات المنافقين في قوله: {يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً} وقال- {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} وقال {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} إلى قوله :{الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ} وورد فيه من الأحاديث الكثيرة الطيبة الدالة على عظمة عقاب المرائي فإنه في الحقيقة عابد لغير الله وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا عنه بريء وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك"
واعلم أن الرياء يكون بالبدن وذلك بإظهار النحول والاصفرار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد والحزن على أمر الدين وخوف الآخرة وليدل بالنحول على قلة الأكل وبتشعث الشعر ودرن الثوب يوهم أن همه بالدين ألهاه عن ذلك وأنواع هذا واسعة وهو معنى أنه من أهل الدين ويكون في القول بالوعظ في المواقف ويذكر حكايات الصالحين ليدل على عنايته بأخبار السلف وتبحره في العلم ويتأسف على مقارفة الناس للمعاصي والتأوه من ذلك والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحضرة الناس والرياء بالقول لا تنحصر أبوابه وقد تكون المراءاة بالأصحاب والأتباع

الصفحة 185