كتاب فتح القدير للشوكاني (اسم الجزء: 4)
مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَمَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثِ عَذَابِ الظُّلَّةِ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ فَقَدْ وَصَّانَا بِتَكْذِيبِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ علمه ولم يعلمه غيره.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 192 الى 227]
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196)
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201)
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ مَا كانُوا يُوعَدُونَ (206)
مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211)
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221)
تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى مَا نَزَّلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ، أَيْ: وَإِنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ، أَوْ وَإِنَّ الْقُرْآنَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، قِيلَ: وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: ذُو تَنْزِيلٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ تَنْزِيلٌ: بِمَعْنَى مُنَزَّلٍ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ. قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ نَزَلَ مُخَفَّفًا، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ مُشَدَّدًا، والرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وَقَدِ اخْتَارَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالرُّوحُ الْأَمِينُ جِبْرِيلُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ «1» أَنَّهُ تَلَاهُ عَلَى قَلْبِهِ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الْقَلْبِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مُدْرِكٍ مِنَ الْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ: إِنَّ عَلَى قَلْبِكَ ولتكون متعلقان بنزل، وقيل: يجوز أن يتعلقا بتنزيل، والأوّل: أولى، قرئ نُزِّلَ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَكُونُ الرُّوحُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَرْفُوعًا عَلَى النِّيَابَةِ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ عِلَّةٌ لِلْإِنْزَالِ، أَيْ: أَنْزَلَهُ لِتُنْذِرَهُمْ بِمَا تَضْمَّنَهُ مِنَ التَّحْذِيرَاتِ والإنذار وَالْعُقُوبَاتِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُنْذِرِينَ، أَيْ: لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِهَذَا اللِّسَانِ، وَجَوَّزَ أَبُو البقاء أن يكون بدلا من «ربه» ، وَقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِنَزَلَ، وَإِنَّمَا أُخِّرَ لِلِاعْتِنَاءِ بِذِكْرِ الْإِنْذَارِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا،
__________
(1) . البقرة: 97.
الصفحة 135