فلمّا كان من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان مِن وعْدِ بني إسرائيل أنّ التابوت سيأتيهم؛ جَعَلَتْ أصنامُهم تُصْبِح في الكنيسة مُنَكَّسَةً على رؤوسها. وبعث الله على أهل تلك القرية فأرًا، تُبَيِّت الفأرةُ الرجلَ فيُصْبِحُ ميِّتًا قد أكلت في جوفه من دُبُرِه. قالوا: تعلمون -والله- لقد أصابكم بلاءٌ ما أصاب أمةً مِن الأمم قبلكم، وما نعلمه أصابنا إلا مُذْ كان هذا التابوت بين أظْهُرِنا، مع أنكم قد رأيتم أصنامكم تُصْبِحُ كُلَّ غَداةٍ مُنَكَّسَةً، شَيْءٌ لم يكن يُصْنَع بها حتى كان هذا التابوت معها، فأخرِجُوه من بين أظْهُرِكم. فدَعَوْا بعَجَلَة، فحملوا عليها التابوت، ثم علَّقُوها بثَوْرَيْن، ثم ضربوا على جُنُوبِهِما، وخرجت الملائكة بالثَّوْرَيْنِ تسوقهما، فلم يَمُرَّ التابوتُ بشيء من الأرض إلا كان قُدْسًا (¬١)، فلم يَرُعْهم إلا التابوت على عجلة يَجُرُّها الثَّوْران، حتى وقف على بني إسرائيل، فكبَّروا، وحَمِدوا الله، وجَدُّوا في حربهم، واسْتَوْسَقُوا (¬٢) على طالوت (¬٣). (ز)
٩٩٣٤ - عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم} الآية: كان موسى تركه عند فتاهُ يُوشَعُ بن نون، وهو بالبَرِّيَّة، وأقبلت به الملائكة تحمله، حتى وضَعَتْه في دار طالوت، فأصبح في داره (¬٤). (ز)
٩٩٣٥ - عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: {إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} الآية، قال: كان موسى -فيما ذُكِر لنا- ترك التابوت عند فتاه يُوشَع بن نون وهو في البَرِّيَّة. فذُكِر لنا: أنّ الملائكة حملته من البَرِّيَّة حتى وضعته في دار طالوت، فأصبح التابوتُ في داره (¬٥) [٩٥١]. (ز)
---------------
[٩٥١] انتَقَدَ ابنُ جرير (٤/ ٤٦٦) أن يكون بنو إسرائيل قد عرفوا ذلك التابوت، وقدَر نفعه وما فيه وهو عند موسى ويوشع، وأنّ يوشع خلَّفَه في التيه، حتى رُدَّ عليهم حين ملك طالوت، مستندًا في ذلك إلى دلالة العقل، والتاريخ، فقال: «إن ظَنَّ ذو غَفْلَةٍ أنهم كانوا قد عرفوا ذلك التابوت، وقَدْرَ نفْعِه وما فيه، وهو عند موسى ويوشع؛ فإنّ ذلك ما لا يخفى خَطَؤُه؛ وذلك أنّه لم يبلغنا أنّ موسى لاقى عَدُوًّا قطُّ بالتابوت، ولا فتاه يوشع، بل الذي يُعْرَفُ من أمر موسى وأمر فرعون ما قَصَّ اللهُ من شأنهما، وكذلك أمره وأمر الجَبّارين. وأمّا فتاه يوشع فإن الذين قالوا هذه المقالة زعموا أنّ يوشع خلَّفه في التيه، حتى رُدَّ عليهم حين مَلَكَ طالوتُ، فإن كان الأمرُ على ما وصفوه فأيّ الأحوال للتابوت الحال التي عرفوه فيها فجاز أن يُقال: إنّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت الذي قد عرفتموه، وعرفتم أمره؟! وفي فساد هذا القول بالذي ذكرنا أبْيَنُ الدلالة على صحة القول الآخر، إذ لا قول في ذلك لأهل التأويل غيرهما».
وعَلَّقَ ابنُ عطية (٢/ ٨) على الآثار الواردة في قصة التابوت بقوله: «وكَثَّرَ الرُّواةُ في قصص التابوت، وصُورَةِ حَمْلِه بما لم أرَ لإثباته وجهًا؛ لِلِين إسنادِه».
_________
(¬١) أي: معظّما يُتَقدّس (يُتنَزّه) فيه من الذنوب. النهاية (قدس).
(¬٢) استوسقوا أي: اجتمعوا. من قولهم: استوسقت الإبل إذا اجتمعت. اللسان (وسق).
(¬٣) أخرجه ابن جرير ٤/ ٤٦٢ - ٤٦٣، وابن أبي حاتم ٢/ ٤٦٨ (٢٤٧١) مختصرًا عن ابن إسحاق من قوله. وأخرج عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٩٩ - ومن طريقه ابن جرير ٤/ ٤٦٤ - ٤٦٥، وابن أبي حاتم ٢/ ٤٦٧ (٢٤٧٠) - عن عبد الصمد بن معقل عن وهب نحو آخره، أما أوله فبِسياق مختلف. كذلك أخرج ابن جرير ٤/ ٤٥٩ - ٤٦١ من طريق عبد الصمد بن معقل نحو آخر القصة، وأوله في سياق طويل مختلف، ومحصلة الآثار الثلاثة: أنّ التابوت كان عندهم من عهد موسى وهارون يتوارثونه، حتى سلبهم إيّاه ملوكٌ من أهل الكفر، ثم رَدَّه الله عليهم آيةً لِمُلك طالوت، عن طريق ثَوْرَيْن -أو بَقَرَتَيْن- تسوقهما الملائكةُ.
(¬٤) أخرجه ابن جرير ٤/ ٤٦٥.
(¬٥) أخرجه ابن جرير ٤/ ٤٦٥، وابن أبي حاتم ٢/ ٤٦٧ (٢٤٧٠).