كتاب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (اسم الجزء: 4)

والاماكن الَّتِى هى بالجوزاء ممنطقة وبالثريا مشنفه وَقد كسانى الزَّمَان قشيب بروده وطفت فِيهَا مَا بَين عقيق الْحمى وزروده وغصن الصِّبَا بأيام السعادات مُورق وَبدر الشَّبَاب فى سَمَاء الكمالات مشرق خلى البال منفى البلبال لَا دأب لى الا موسم وُفُود الْعُلُوم فى سوق عكاطها وَلَا شغل لى الا استكشاف وسائم وُجُوه الْمعَانى المخبأة تَحت براقع ألفاظها أستمرى من اخلاف الائمة الْمَشَايِخ در الْمَفْهُوم وأستخرج من بَحر كل حبر راسخ در الْعُلُوم أفاضل امتطوا من سَائِر الْعُلُوم غوارب الانتاج وأماثل فاضت بحور علومهم كَمَا يفِيض الْبَحْر المتلاطم بالامواج اغترفوا من حِيَاض المعارف نمير الْحَقَائِق واقتطفوا من رياض الْآدَاب ثَمَرَات اللطائف وَالرَّقَائِق لَو سمع قس فصيح لغاتهم لادركه العى بسوق عكاظ وَلَو شاهدهم سحبان لولى يسحب ذيله خجلا من جزالة الْمعَانى ورقة الالفاظ شموس فضائلهم لم تزل دائمة الطُّلُوع ومزن أدبهم مَا انْفَكَّ بقطر النّظم والنثر هموع ثمَّ لما قضى الله بِحمْل عَصا الترحال وَشد الاقتاب وحلول انتاج الاجمال وَبَطلَت حَرَكَة ذَلِك الدّور وتنقل الزَّمَان من طور الى طور أعملنا حُرُوف النجائب تنبض بِنَا الْبَيْدَاء فى سراها ولطمنا خُذ الارض باخفافها الى أَن براها السرى فى براها فكم جاوزنا جبالاً شوامخ زاحمت بمناكبها السحائب وذرعنا الناجبات شقة قفر فَلم تطوالا بأيدى الركائب وَكم جسرنا بالجاسرات على ملاقاة زنجى الظلام وَكلما رَاعنا أشرعنا اليه من الْكَوَاكِب أسنة وسللنا عَلَيْهِ من الْبَرْق حسام الى أَن بَدَت لاعيننا قباب الْمصلى كالفوانس وشاهدنا عروس الشَّام تنجلى فى سندسى الملابس وَحقّ للْمُسَافِر ان ينشد الْبَيْت السائر
(فَأَلْقَت عصاها وَاسْتقر بهَا النَّوَى ... كَمَا قر عينا بالاياب الْمُسَافِر)
فنزلنا بِأَرْض دمشق المحروسه وحللنا رحابها المأنوسه فعكفت على مَا كنت بِمَكَّة عَلَيْهِ وفوقت سِهَام عزمى الى غَرَض كَانَ مرماى قَدِيما عَلَيْهِ من اقتناص الشوارد وَتَقْيِيد الاوابد وصادفت بهَا سادة أَئِمَّة وقادة يهتدى بنورهم فى ظلم الْجَهْل المدلهمه اعيان مجد يشار اليهم بالاصابع واقران فضل لَا طَاعن فيهم وَلَا مدافع وصدور علم تتجمل بهم صُدُور الْمجَالِس اذا الْتفت عَلَيْهِم المجامع وآساد بِحَيْثُ يتضاءل لصولتهم كل معاند مُنَازع وفرسان كَلَام فى ميدان نثر ونظام اشرقت شموس فضائهم فى افلاك السُّعُود ونظموا فى سلك الْفَضَائِل كنظم الدّرّ فى اسلاك

الصفحة 240