كتاب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (اسم الجزء: 4)

الغزى فراض طبعه على أسلوبه وَحكى انه لما قيد أَبُو الطّيب الْمَذْكُور للعارض السوداوى الذى اعتراه وَحجر عَلَيْهِ وَمنع النَّاس من التَّرَدُّد اليه كَانَ اذا نظم قصيدة بعث بهَا اليه مَعَ بعض النِّسَاء على صفة انها تُرِيدُ حرْزا اَوْ نشرة وقصده عرضهَا عَلَيْهِ ليهذبها وينقحها فَكَانَ اذا وصلته اصلحها ورمز لَهُ بِوُجُوه الاصلاح وعرفه طرق الانتقاد فَلهَذَا مهر فى سبك الْمعَانى وَحسن البذرقة وأربى على فضلاء الْعَصْر باتقان اللغتين الفارسية والتركية والموسيقى وَكَانَ ينظم الشّعْر فى اللُّغَات الثَّلَاثَة وَكَانَ لَهُ اغان يسيرها فى نغمات مَقْبُولَة وسافر الى الرّوم صُحْبَة وَالِده فى سنة ثَمَان وَعشْرين ولازم من شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا ومدحه بقصائد كَثِيرَة ثمَّ قدم مَعَ وَالِده الى دمشق ودرس بعد موت وَالِده بِالْمَدْرَسَةِ العزية بالشرف الْأَعْلَى ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم ثَانِيًا وَولي قَضَاء الركب الشَّامي فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَانْقطع بعد ذَلِك فِي منزله مُدَّة ثمَّ سَافر ثَالِثا الى الرّوم فى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَصَارَ لَهُ رُتْبَة الْخَارِج المتعارفة الْآن بَين أَبنَاء الشَّام ثمَّ رَجَعَ واستغرق أوقاته فى الْعُزْلَة وابتلى بِاسْتِعْمَال البرش ثمَّ غلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَضرب الْحجر على نَفسه سِنِين وطواه الزَّمَان فى خريدة النسْيَان وَلم ينل مَا يسْتَحقّهُ من سمو الشان ثمَّ ظهر بعض الظُّهُور وَاخْتَلَطَ بِبَعْض أَصْحَاب الْفَهم وَطرح التَّكَلُّف وامتحن بلعب الشطرنج على عَادَة الاذكياء وَكَانَ ماهرا فى لعبه وَكَانَ كثير النّظم وَله ديوَان يُوجد فى أيدى النَّاس ومختاراته كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله من قصيدة
(فى فؤادى من الخدود لهيب ... جنَّة طَابَ لى بهَا التعذيب)

(صحوتى من هوى الحسان خمار ... وشبابى بالاتصاب مشيب)

(داونى باللحاظ فالحب فِيهَا ... دَار بلوى بهَا السقام طَبِيب)

(لفؤادى من لَحْظَة السخط سهم ... هى من قسْمَة الْهوى لى نصيب)

(كل قلب لَهُ الصبابة دَاء ... ألف الدَّاء فالحكيم رَقِيب)

(محنة الْحبّ عندنَا دَار بلوى ... فلهَا من قُلُوبنَا أَيُّوب)

(هَكَذَا حَاكم الْهوى فلديه ... من ذنُوب لنا تعد الْقُلُوب)

(لَو بدا للوجود يُوسُف حسن ... ضمه من قُلُوبنَا يَعْقُوب)

(لَا تلمنى سدى فَمد من خمر الْحبّ فى مِلَّة الْهوى لَا يَتُوب ... )

(فى لحاظ الظباء آيَة حسن ... قد تَلَاهَا على الْعُقُول الحبيب)

الصفحة 274