كتاب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (اسم الجزء: 4)

المنشئ فَقَالَ فى وَصفه تكون بِبَلَد قريب من مغنيسا جَوْهَر ذَاته وَبهَا كَانَت أوطانه وأوطار لذاته وَلما حلت بيد الشَّبَاب لمائمه وصدحت فى أَغْصَان الفتوة حمائمه تَيَقّن أَن فقد الْعِزّ فى الْحَضَر وَأَن السّفر يسفر عَن غرَّة الظفر
(والمرء لَيْسَ ببالغ فى أرضه ... كالصقر لَيْسَ بصائد فى وَكره)
كَمَا أَن السَّيْف لَا يقطع فى غمده وَلَا يظْهر مَا دَامَ فِيهِ جَوْهَر فرنده والدر لَوْلَا تنقله من الْبَحْر لما علا التَّاج والنحر وَلَوْلَا سير الْهلَال لما ظفر بعد النَّقْص بالكمال
(فالماء يكْسب مَا جرى ... طيبا ويخبث مَا اسْتَقر)
فَخرج مِنْهَا وَدَار فى بقاع الارض وبلدانها حَتَّى وصل الى الْقَاهِرَة وانتظم فى سلك كتبة ديوانها وبينما هُوَ فى بعض تِلْكَ الخدم اذ برز أَمر سُلْطَان الامم رَاقِم طراز الْعَدَالَة على حلل الْبِلَاد وَمن هُوَ مَقْصُود لكل مَوْجُود وَمُرَاد بعمارة الْحرم الْمُحْتَرَم الامين فعين لخدمة الْكِتَابَة اذ كَانَ من الْكِرَام الْكَاتِبين يَا من يرى حرما يسرى الى حرم فجاور حرم الله وخفض عيشه على الْجوَار وراعى حق الْخدمَة حَتَّى كَأَنَّهُ لبيت الله عبد الدَّار وانضم بعد ذَلِك الى بعض الخدام بالديوان السلطانى لَا زَالَ مطلعا الشموس الامانى ثمَّ لما أَصبَحت مغنيسا لذكاء الدولة المحمدية مشرقا وفلكها ببدر كَمَال ذَاته مشرقا تقلد عقد مناصب تِلْكَ الدولة حَتَّى صَار لالا وَلم يقل أحدا قَوْله لَا لَا ورقاه لما فِيهِ من الاستعداد كترقى مَرَاتِب الاعداد فسلك طَرِيق العداله وَلم يدْرك أحد فى كَمَاله كَمَاله وَهَذَا من أقوى الداعيات لَهُ على التَّقْدِيم وَأعظم الباعثات لتخطيه كل حَدِيث وقديم وَحين نسخ نور مُحَمَّد أَحْكَام من قبله وَحل ذكاء دولته من فلك السلطنة مَحَله ولمعت فى اسرتها أنوار أسرته واستنار الْعَالم بشمس جَبهته قَلّدهُ صارم الوزاره وَتوجه بتاج الصداره ثمَّ نَقله الى الوزارة الْعُظْمَى وَأنْشد لِسَان الْحَال حِين أَصبَحت أَفعاله أسما
(ذى المعالى فليعل من قد تَعَالَى ... هَكَذَا هَكَذَا والا فلالا)
وَمَا كَانَ شمس الْعَصْر الاصيل ولع قصر وقته بِظِل عدله الظليل قصرت دولته مَعَ ذَلِك الْقصر وَمَا خالط الصفو فِيهَا كدر بل صحب بتدبيره مزاج الْعباد وَجمع بعدله بَين الاضداد كالخد يجمع بَين المَاء واللهب فَلَو دَامَ مُدَّة فى رياض الوزاره لاتخذ العصفور من مخالب البزاة أَو كَارِه وَلَوْلَا مَا فى فَم الاسد من البخر لما تبَاعد عَنهُ الغزال وَنَفر بل اتخذ حضنه كناسه وحصنه لَكِن أسْرع الدَّهْر بغدره ورد

الصفحة 283