كتاب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (اسم الجزء: 4)

وَأَنْشَأَ عقارات وَعظم أمره وَتقدم على النواب لسنه وَمد أياديه وتصرفه مَعَ استحضاره لمسائل الْقَضَاء حَتَّى كَانَ يُؤَاخذ على غَيره من النواب من غير أهل مذْهبه وَحصل عَلَيْهِ محنة أَيَّام الْحَافِظ أَحْمد باشا فَأخذ مِنْهُ مبلغا لَهُ صُورَة ثمَّ جرت لَهُ محنة أُخْرَى فى نِيَابَة جركس مُحَمَّد باشا وَأخذ مِنْهُ مَالا أَيْضا غير أَنه تلافى خاطره وَوَقع فى آخر الامر بَينه وَبَين القاضى يُوسُف بن كريم الدّين ثمَّ مرض وَطَالَ مَرضه من الْقَهْر وَلما علم أَنه لم يبْق مِنْهُ رجوى بذل مَالا لقاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق الْمولى عبد الله بن مَحْمُود العباسى على أَن يُولى نِيَابَة الْبَاب لوَلَده القاضى مُحَمَّد فولاه يَوْمًا وَاحِدًا ثمَّ سعى الكريمى عِنْد القاضى بِأَن يُولى نِيَابَة الْبَاب للقاضى عبد اللَّطِيف بن الشَّيْخ أَحْمد الوفائى وَأَن يُولى ابْن الحميدى بالمحكمة الْكُبْرَى مَكَان القاضى عبد اللَّطِيف فَفعل وَلم يتم للقاضى مَحْمُود مُرَاده وَكَانَ المَال الذى بذله فى مُقَابلَة نِيَابَة الْبَاب صَار فى مُقَابلَة نِيَابَة الْكُبْرَى وَلَو لم يقبلهَا الضاع عَلَيْهِ المَال فبقى فى حزنه وغيظه وقوى عَلَيْهِ الْمَرَض فَمَاتَ مقهورا بعد ان أقعد شهورا وَكَانَت وَفَاته فى يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الاولى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
مَحْمُود بن عبد الله الموصلى الحنفى مفتى الْموصل ورئيسها الْمَشْهُور عِنْد الْخَاص وَالْعَام بالعلوم الشَّرْعِيَّة والفنون الْعَقْلِيَّة ولد بالموصل بهَا نَشأ واشتغل بالعلوم وتفنن فى علم النّظر وَالْكَلَام وَالْحكمَة وبرع فى جَمِيع ذَلِك ورحل الى حلب وَأقَام بهَا مُدَّة وَأخذ بهَا عَن النَّجْم الحلفاوى وابراهيم الكردى وأبى الوفا العرضى وَالْجمال البابولى وَغَيرهم وأجازوه وَرجع الى بَلَده وَمكث مُدَّة ورحل الى الديار الرومية وحظى عِنْد الصَّدْر الْفَاضِل وَبَقِيَّة كبرائها وَأخذ عَن جمع بهَا وَولى افتاء بَلَده الْموصل وَرجع اليها وَأقَام بهَا يشْتَغل باقراء الْعُلُوم وَتخرج بِهِ جمَاعَة وَكَانَت الْمسَائِل المشكلة ترد عَلَيْهِ فيجيب عَنْهَا بِأَحْسَن جَوَاب وأتقن خطاب وَكَانَ عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية والتركية وَله تصانيف مِنْهَا حَاشِيَة على التَّلْوِيح وحاشية على البيضاوى ونظم حسن وَكَانَ سهلا ذَا دين متين وتقوى ويقين صَادِق اللهجة مواظبا على السّنَن النَّبَوِيَّة والنوافل الشَّرْعِيَّة حسن السمت رَقِيق الْقلب كَامِل الْعقل مُعْتَقدًا للسادة الصُّوفِيَّة وَحج فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف وَأخذ عَنهُ جمَاعَة بالحرمين مِنْهُم صاحبنا الْفَاضِل الاديب والكامل الاريب الشَّيْخ مصطفى

الصفحة 319