كتاب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (اسم الجزء: 4)
وَذكره فى تَارِيخه وَذكر مقروآته عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ اشْتغل بخويصة نَفسه وَجلسَ فى بَيته وَعمر لَهُ ابراهيم باشا جَامعه الذى بِجَانِب دَاره وَجعل فِيهِ خطْبَة وَبنى لَهُ مَنَارَة وَانْقطع فِيهِ وَلم يخرج الا للحمام حَالَة الِاحْتِيَاج اليه وَأَقْبل النَّاس عَلَيْهِ يثنون عَلَيْهِ وينسبون اليه الصّلاح ويصفونه بالانقطاع وَثقل سَمعه وَضعف بَصَره واشتغل بِمُجَرَّد تِلَاوَة الْقُرْآن والاشتغال بمصالح عِيَاله وكف الْجَوَارِح وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ رجل صَالح فَاضل لَا شكّ فى ذَلِك قَالَ النَّجْم فى تَرْجَمته بعد أَن قَالَ شَيخنَا وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم حفظا متينا مَعَ التجويد متينا مَعَ التجويد والاتقان فِيهِ مَعَ تبحره فى النَّحْو وَالصرْف والمعانى وَالْبَيَان والمنطق والهيئة وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والاصول ومعارف الصُّوفِيَّة وَكَانَ اذا تكلم فى فن من الْعُلُوم يَقُول سامعه لَا يحسن غَيره وَكَانَ مَعَ ذَلِك يظْهر لَهُ كشف فى مَجْلِسه واشراق على قُلُوب جُلَسَائِهِ قدم علينا دمشق قَاصِدا الْحَج على طَرِيق مصر فى سادس عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع بعد الالف وَأخْبر أَنه أَخذ الْعلم أَيْضا عَن منلا مصلح الدّين اللارى وَسمع الحَدِيث من الشَّيْخ برهَان الدّين العمادى وَأَجَازَهُ الشَّيْخ نجم الدّين الغيطى مُكَاتبَة قَالَ وَحضر درسى بالجامع الاموى تجاه سيدى يحيى عَلَيْهِ السَّلَام عَشِيَّة فى أثْنَاء رَجَب هُوَ وجماعته وَشَيخنَا القاضى محب الدّين ثمَّ ذَهَبُوا لضيافتى وحضروا عندى لَيْلَة كَامِلَة كَانَت لَيْلَة مَشْهُودَة وخطر لى فى لَيْلَة النّصْف من رَجَب أَن أستحيزه بالافتاء والتدريس فَلَمَّا أَصبَحت ذهبت لزيارته وَكَانَ نزل بالعادلية الصُّغْرَى دَاخل دمشق فرأيته قد كتب لى اجازة بالافتاء والتدريس وَدفعهَا الى وَكَانَ يُقَابل من يأتى للسلام عَلَيْهِ بالبشاشة والاقبال ويبادر الى اسماع الحَدِيث المسلسل بالاولية وَكَانَ من افراد الدَّهْر عَلَيْهِ جلالة الْعلم وأبهة الْفضل ونورانية الْعِبَادَة يتوقد وجهة نورا وَيشْهد لَهُ من رَآهُ أَنه من الْعلمَاء العاملين والاولياء الصَّالِحين وَمن شعره وَهُوَ مِمَّا تلقيناه عَنهُ وأجازنا بِهِ وَكَانَ حصل لَهُ مرض حِين تمّ لَهُ سِتُّونَ من عمره فَقَالَ
(لما وعكت بغاية السِّتين ... جافيت كل دنية فى الدّين)
(وبذلت جهدى فى الْعُلُوم ونشرها ... للعاملين بهَا ليَوْم الدّين)
وَمِنْه أَيْضا
(اقنع بِمَا لابد مِنْهُ وكف عَمَّا قد بدا مِمَّا عَلَيْهِ النَّاس ... )
(واذا كَفَفْت عَن الذى فتنُوا بِهِ ... ذهبت همومك والعنا والباس)
الصفحة 321