كتاب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (اسم الجزء: 4)
والارزاق مغموره لرأيتم شَيْئا يحير الافكار ولحكمتم بِأَن لَيْسَ لَهَا نَظِير فى الديار ثمَّ يتنفس الصعدا وَيَغْدُو لِسَان حَاله منشدا
(ألما على الدَّار الَّتِى لَو وجدتما ... بهَا أَهلهَا مَا كَانَ وحشا مقيلها)
(وَلَو لم يكن الا معرج سَاعَة ... قَلِيلا فانى نَافِع لى قليلها)
وفى الْحَقِيقَة هى من أحسن الْبِلَاد الانيقه ومعدودة كَمَا هُوَ مَعْلُوم من الاماكن الرشيقه لَكِن تعرضت لَهَا أيدى الْحدثَان وَكَانَ مُقَدرا عَلَيْهَا أَن تصاب بِهَذَا الْمُصَاب فى هَذَا الاوان
(واذا تَأَمَّلت الْبِقَاع وَجدتهَا ... تشقى كَمَا تشقى الرِّجَال وتسعد)
وَأما جوا مَعهَا الْعَظِيمَة الشان وَحسن رونقها الذى لَا يُوجد نَظِيره الا فى الْجنان فانها حازت أَنْوَاع المحاسن واللطائف وَلَا يُمكن أَن يضْبط حسن نضارتها بِوَصْف واصف
(لقد جمعت كل المحاسن صُورَة ... شهِدت بهَا كل الْمعَانى الدقيقة)
لَا سِيمَا تزينها ظَاهر اَوْ بَاطِنا بنفيس القيشانى والنقوش البديعة الْمعَانى والكتابات الْحَسَنَة الَّتِى تكل عَن وصفهَا الالسنه كخط ابْن البواب وَمن فاقه من مشاهير الْكتاب فانا لم نشاهد مثل هَذِه الكتابات قطّ وَقد أنسانا ذَلِك جمع مَا شَاهَدْنَاهُ فى عمرنا من حسن الْخط خُصُوصا وضع كل شئ فى مَحَله واقترانه مَعَ مناسبه والتئامه كالكتابة على المنارة مثلا المؤذنون أطول النَّاس أعناقا يَوْم الْقِيَامَة وكالكتابة على الاخرى بالخط الْوَاضِح الْمُبين وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ اننى من الْمُسلمين وعَلى الاخرى أشهد أَن لَا اله الا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَلَقَد شاهدنا على حَائِط الْجَامِع مِمَّا يلى الْبَاب من الْجِهَتَيْنِ مَكْتُوبًا بالخط الجلى القويم آيَات من الْكَلَام الْقَدِيم فَمن جِهَة الْيَمين قَوْله تَعَالَى {وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وزلفى من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ واصبر فان الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ} وَمن جِهَة الشمَال قَوْله {أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس إِلَى غسق اللَّيْل وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا} لَكِن لم يتمتع النّظر بأنضر من ذَلِك الْخط وَلَا أجلى وَلم تشاهد الْعين ألطف من ذَلِك الرقم وَلَا أحلى كلما زِدْته نظرا زادك حسنا وَكلما راجعت الْبَصَر كرة بعد كرة يظْهر لَك من ذَلِك الشكل
الصفحة 349