كتاب أنساب الأشراف للبلاذري (اسم الجزء: 4)

فَقُلْنَا: لِحْمَزَةَ ثَوْبٌ وَلِلأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ، فَقَدَّرْنَاهُمَا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنَ الآخَرِ فَاقْتَرَعْنَا [1] بَيْنَهُمَا فَكَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ فِي الثَّوْبِ الَّذِي طَارَ لَهُ [2] .
قَالُوا: ودفن حَمْزَةُ وعبد اللَّه بْن جحش بن دياب الأسدي، وأمه أُميمة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِبِ وَهُوَ أَخُو زينب بِنْت جحش فِي قبر واحد. وَكَانَ حَمْزَةُ أول من صلى عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الشهداء يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ جعل يؤتى بشهيد بَعْد شهيد فيوضع إِلَى جنب حَمْزَةَ فيصلي عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى الشهيد حَتَّى صلى عَلَى حَمْزَةَ سبعين مرة، ونزل فِي قبره أَبُو بَكْر وعمر وعلي والزبير، [وَكَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شفير القبر وَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْت الملائكة غسلت حَمْزَةَ] .
[قَالُوا [3] : وانصرف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أُحُد فسمع [4] بكاء النِّسَاء عَلَى قتلاهن فَقَالَ: لكن حَمْزَةَ لا بواكي لَهُ،] فجمع سَعْد بْن مُعَاذِ نساء بَنِي عَبْد الأشهل بْن الأوس إِلَى بَاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبكين عَلَى حَمْزَةَ حَتَّى سمع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكاءهن (676) فَقَالَ: قَدْ آسيتن وأحسنتن، ودعا لهن وردهن، فَلَيْس تبكي امْرَأَة من الأَنْصَار مُذْ ذاك ميتها حَتَّى تبدأ بالبكاء عَلَى حَمْزَةَ ثُمَّ تتبع ذَلِكَ بالبكاء عَلَى ميتها.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْوَرْدِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ عَيْنَهُ الَّتِي بِأُحُدٍ كَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُجْرِيَهَا إِلا عَلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ، فَكَتَبَ: انْبِشُوهُمْ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُمْ يُحْمَلُونَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ كَأَنَّهُمْ قَوْمٌ نِيَامٌ، وَأَصَابَتِ الْمَسْحَاةُ طَرْفَ رِجْلِ حَمْزَةَ فَانْبَعَثَتْ دَمًا [5] .
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَمَرَ بِكَظَامَةٍ [6] تُصْنَعُ لَهُ فَمَرَّتْ بِقَتْلَى أُحُدٍ فَاسْتَخْرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ رِطَابًا تَنْثَنِي أَطْرَافُهُمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غياث،
__________
[1] ط: فزعنا.
[2] انظر ابن سعد ج 3 ص 8- 9.
[3] انظر ابن سعد ج 3 ص 10 وص 11.
[4] ط: فسمعت.
[5] الرواية في ابن سعد ج 3 ص 5.
[6] الأصل: كطامة. الكظامة: القناة التي تكون في حوائط الأعناب. لسان العرب مادة «كظم» .

الصفحة 289