كتاب التفسير الوسيط لطنطاوي (اسم الجزء: 4)

على ما يرونه، وإن خرج نهاني ربي أمسكوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي.
وقد نهى الله- تعالى- في أوائل هذه السورة عن الاستقسام بالأزلام فقال وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ «1» .
وقوله: رِجْسٌ أى قذر تأباه النفوس الكريمة والعقول السليمة لقذارته ونجاسته.
قال الفخر الرازي: والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل. يقال: رجس الرجل رجسا إذا عمل عملا قبيحا: وأصله من الرجس- بفتح الراء- وهو شدة الصوت. يقال:
سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد. فكأن الرجس هو العمل الذي يكون قوى الدرجة كامل الرتبة في القبح» «2» .
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها: ما جاء في صحيح مسلم عن سعد بن أبى وقاص أنه قال: نزلت فىّ آيات من القرآن، وفيه قال. وأتيت على نفر من الأنصار فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر- قال فأتيتهم في حش- أى بستان- فإذا رأس جزور مشوى عندهم وزق من خمر قال: فأكلت وشربت معهم. قال:
فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال. فأخذ رجل- من الأنصار- لحى جمل فضربني به فجرح أنفى، فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ.. الآيات «3» .
ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار. شربوا حتى ثملوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا، جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل هذا بي أخى فلان- وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن- والله لو كان بي رءوفا رحيما ما فعل بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ. إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «4» .
والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إيمانا حقا. إنما تعاطى الْخَمْرُ أى: الشراب الذي يخامر العقل ويخالطه ويمنعه من التفكير السليم وَالْمَيْسِرُ أى القمار الذي عن طريقه يكون تمليك
__________
(1) الآية 3 من سورة المائدة. [.....]
(2) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 79
(3) تفسير القرطبي ج 6 ص 286
(4) تفسير ابن جرير ج 7 ص 34

الصفحة 276