كتاب البرهان في علوم القرآن (اسم الجزء: 4)
الْخَامِسُ: بِمَعْنَى بَدَلَ وَجَعَلَ ابْنُ الضَّائِعِ مِنْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا الله لفسدتا} أَيْ بَدَلُ اللَّهِ أَيْ عِوَضُ اللَّهِ وَبِهِ يَخْرُجُ عَلَى الْإِشْكَالِ الْمَشْهُورِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَفِي الْوَصْفِ بِـ "إِلَّا" مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ابْنَ مَالِكٍ جَعَلَهَا فِي الْآيَةِ صِفَةً وَأَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلتَّخْصِيصِ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ فَسَدَتَا لَصَحَّ لَأَنَّ الْفَسَادَ مُرَتَّبٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ
فيقال: ما فائدة الوصف المقتضي ها هنا لِلتَّأْكِيدِ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ آلِهَةً تَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ أَوْ عَلَى الْجَمْعِ فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْفَسَادَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَأَتَى بِقَوْلِهِ: {إِلَّا اللَّهَ} لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ مُرَتَّبٌ عَلَى التَّعَدُّدِ وَهَذَا نَظِيرُ قولهم في: {إلهين اثنين} أَنَّ الْوَصْفَ هُنَا مُخَصَّصٌ لَا مُؤَكَّدٌ لِأَنَّ
: {إلهين} يدل على الجنسية وعلى التثنية فلوا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَمْ يُفْهَمُ النَّهْيُ عَنْ أَحَدِهِمَا فأتى بـ "اثنين" لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الِاثْنَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ
السَّادِسُ: لِلْحَصْرِ إِذَا تَقَدَّمَهَا نَفْيٌ:
إِمَّا صَرِيحٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أَوْ مُقَدَّرٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا على الخاشعين} فَإِنَّ إِلَّا مَا دَخَلَتْ بَعْدَ لَفْظِ الْإِيجَابِ إِلَّا لِتَأْوِيلِ مَا سَبَقَ إِلَّا بِالنَّفْيِ أَيْ فَإِنَّهَا لَا تَسْهُلُ وَهُوَ مَعْنَى كَبِيرَةٌ وَإِمَّا لِأَنَّ الْكَلَامَ صَادِقٌ مَعَهَا أَيْ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ بِخِلَافِ ضَرَبْتُ إِلَّا زَيْدًا فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ
الصفحة 240