كتاب البرهان في علوم القرآن (اسم الجزء: 4)
فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} فَاكْتَفَى فِيهِ بِتَأْكِيدِ إِنَّ وَلَمَّا اخْتَصَّتْ آيَةُ الْأَعْرَافِ بِزِيَادَةِ الْعَذَابِ عَاجِلًا اخْتَصَّتْ بِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ لَفْظًا بِـ "إِنَّ" وَجَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ يُنَاسِبُهُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَعَلَيْهِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا تَفْصِيلِيٌّ وَهُوَ الِاسْتِقْرَاءُ فَانْظُرْ أَيَّ آية شئت تَجِدْ فِيهَا مُنَاسِبًا لِذَلِكَ وَالثَّانِي إِجْمَالِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ أَحْكَمِ الْحُكَمَاءِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ كَذَلِكَ وَهَذَانِ دَلِيلَانِ عَامَّانِ فِي مَضْمُونِ هَذِهِ الْفَائِدَةِ وَغَيْرِهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رحمة واسعة} وَلَمْ يَقُلْ: ذُو عُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ نَفْيًا لِلِاغْتِرَارِ بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ فِي الِاجْتِرَاءِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي التَّهْدِيدِ مَعْنَاهُ لَا تَغْتَرُّوا بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ عَذَابُهُ
وَمِثْلُهُ قوله تعالى: {يا أبت إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} وَقَدْ سَبَقَتْ
فَائِدَةٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْخِطَابِ بِالِاسْمِ وَالْفِعْلِ
وَأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ وَالِاسْمَ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ وَالثُّبُوتِ وَلَا يَحْسُنُ وَضْعُ أَحَدِهِمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ
فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} لو قِيلَ يَبْسُطُ لَمْ يُؤَدِّ
الصفحة 66