كتاب تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (اسم الجزء: 4)
يونس عليه السلام خشيةَ تكذيب قومه بما وعدهم به من العذاب.
وقوله سبحانه: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ معناه: أَنْ لن نضيق عليه، وقيل: معناه:
نقدر عليه ما أصابه، وقد قُرِىء «نقَدِّرَ» عليه بالتشديد «1» ، وذلك، كما قيل لحسن ظَنِّهِ بربه:
أَنه لا يقضى عليه بعقوبة، وقال عياض في موضع آخر: وليس في قصة يونس عليه السلام نَصٌّ على ذنب، وإنما فيها أَبَقَ وذهب مغاضباً، وقد تكلمنا عليه، وقيل: إنما نقم الله- تعالى- عليه خروجه عن قومه، فارّا من نزول العذاب. وقيل: بل لَمَّا وعدهم العذابَ، ثم عفا اللَّه عنهم، قال: واللَّهِ لا ألقاهم بوجه كذَّابٍ أبداً، وهذا كله ليس فيه نَصٌّ على معصية. انتهى.
وقوله سبحانه: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ. قالت فرقة: معناه: أن لن نضيق عليه في مذهبه من قوله تعالى: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: 26] ، وقرأ الزُّهْرِيُّ:
«نُقَدِّرُ» «2» بضم النون، وفتح القاف، وشَدِّ الدال، ونحوه عن الحسن.
وروي: أَنَّ يونس عليه السلام سجد في جوفِ الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر.
وقوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ: يريد فيما خالف فيه من ترك ملازمة قومه والصبر عليهم، هذا أحسن الوجوه، فاستجاب اللَّه له.
ت وليس في هذه الكلمة ما يَدُلُّ أَنَّهُ اعترف بذنب، كما أشار إليه بعضهم، وفي الحديث الصحيح: «دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ، في بَطْنِ الْحُوتِ: لاَ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، مَا دَعَا بِهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ- أَوْ قَالَ: مُسْلِمٌ-، إلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ» «3»
__________
(1) وهي قراءة الزهري والحسن كما ذكرهما المصنف بعد.
وقرأ بها ابن أبي ليلى، وأبو شرق، والكلبي، ويعقوب.
كما في «مختصر الشواذ» ص (95) ، وينظر: «المحرر الوجيز» (4/ 97) ، و «البحر المحيط» (6/ 311) ، ونسبها للزهري حسب. وهي في «الدر المصون» (5/ 105) .
وحكاها القرطبي (11/ 219) عن عمر بن عبد العزيز والزهري.
(2) ينظر القراءة السابقة.
(3) أخرجه الترمذي (5/ 529) كتاب الدعوات: باب (82) حديث (3505) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 168) كتاب عمل اليوم والليلة: باب ذكر دعوة ذي النون، حديث (10492) ، وأحمد (1/ 170) ، والحاكم (1/ 505) ، والطبريّ (9/ 78) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1/ 432) رقم (620) كلهم من حديث سعد بن أبي وقاص.
والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (4/ 599) ، وزاد نسبته إلى الحكيم في «نوادر الأصول» ، وابن أبي حاتم، والبزار، وابن مردويه.